تأبين السيد مصطفى جمال الدين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آل الطيبين وصحبه المنتجبين.
ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
أنه قال: «مَنْ وَقَّرَ عَالِمًا فَقَدْ وَقَّرَ رَبَّهُ»[1] .
لماذا توقير العالم يعتبر شكلًا من أشكال توقير الربّ سبحانه وتعالى؟
أولًا: لأنّ توقير العالم توقير للعلم الذي يحمله.
ثانيًا: لأنّ الله سبحانه وتعالى كرّم العلماء ورفع درجتهم.
يقول تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [سورة المجادلة، الآية: 11]، ومن يُكرّم العلماء يسير على الطريق الذي خطه الربّ سبحانه وتعالى.
ثالثًا: العالم الذي يُوقّر، هو العالم الذي يكون في مستوى أمانة العلم، فتوقيره يدفع إلى السير في طريقه.
لهذه الأمور وأمور أخرى جاءت هذه الرواية، وجاءت أحاديث وروايات كثيرة تحثُّ على توقير العلماء وتكريمهم.
وفي هذه الليلة نجتمع لنكرّم ونوقّر عالمًا من العلماء الذين كان لهم دور في بثّ الوعي ونشر الثقافة، وخدمة الموقف الإسلامي، والدفاع عن حقوق الناس، لذلك نحتفي هذه الليلة بمناسبة مرور أربعين يومًا على رحيل العلامة الدكتور السيد مصطفى جمال الدين[2] "رحمه الله".
لشخصية هذا الفقيد الغالي أبعاد كثيرة متعددة:
البعد العلمي
يمكن أن نقرأ شخصيته في بعدها العلمي، فقد كان عالمًا من العلماء المحققين، تشهد له بذلك دراسته على يدي أساطين العلماء وكبار الفقهاء، فقد كان ملازمًا لدرس السيد الخوئي "رحمه الله" فترة طويلة من الزمن، وكتب تقريرات درسه. كما لازم درس الشيخ محمد أمين زين الدين "حفظه الله"، ودروس علماء آخرين فطاحل. ومؤلفاته العلمية تشهد بتمكنه وتعمقه في العلم، فكتابه عن القياس، وكتابه عن الاستحسان، وكتابه عن البحث النحوي عند الأصوليين، وسائر كتاباته العلمية، تدلّ على تمكنه في مجال علمي الفقه والأصول. وكان مدرسًا لمادة أصول الفقه في كلية الفقه في النجف الأشرف، وفي كلية أصول الدين في بغداد. وحينما تقرأ كتبه ترى فيها ذلك العالم المنفتح التفكير، المتثبت مما يطرح من آراء، والواسع الاطلاع على الموضوع الذي يعالجه علميًا.
البعد السياسي
وقد نقرأ شخصية الفقيد في البعد السياسي، حيث كان له دور سياسي واضح في مواجهة الاستبداد والدكتاتورية التي خيّمت على العراق، شارك في العديد من المؤتمرات السياسية، وكان مستعدًا للتعاون في أيّ مشروع سياسي بصفته شخصيةً ذات تأثير في المجتمع. لم يكن صاحب حزب، ولم يكن منتميًا إلى فئة معينة، بل كان مستعدًا للتعاون مع كلّ الفئات، وللمشاركة مع كلّ الجماعات لهدف إنقاذ العراق من محنته وآلامه.
البعد الأدبي
ويمكن قراءة شخصية الفقيد في البعد الأدبي، وهو شاعر محلّق، وأديب في طليعة أدباء هذا العصر. لم يكن شاعرًا محترفًا يبيع أدبه على أبواب السلاطين، ويتملق به للأثرياء والوجهاء، إنما كان شاعرًا ملتزمًا هادفًا، يوظف شعره لخدمة القيم والمبادئ التي كان يحملها ويناضل من أجلها.
البعد الاجتماعي
ويمكن قراءة شخصيته في أخلاقه الاجتماعية ودوره الإنساني، حيث كان ملجأً للفقراء والمحتاجين، ولمن ضاقت بهم أوطانهم، كان بيته مفتوحًا للجميع، وصدره متسعًا للجميع، وكان يسعى في قضاء حاجة كلّ ذي حاجة يقصده.
الانفتاح الفكري
وأود أن أؤكد في حديثي على بُعدٍ مهم من جوانب شخصيته، ذلك هو جانب الانفتاح في شخصيته، الانفتاح على الأفكار وعلى الأحداث وعلى الأشخاص والجهات.
لكلّ إنسان في الحياة دينه الذي يدين به، ومذهبه الذي يعتقد به، وخطه السياسي الذي يسير عليه، ومدرسته الفكرية التي ينتمي إليها، لكنّ الإنسان لا يعيش في صحراء، إنه جزء من مجتمع بشري تتعدّد فيه الأديان وتتنوع المذاهب، وتختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية، فكيف يتعامل الإنسان مع الأغيار والمخالفين له في الدين أو المذهب أو الموقف السياسي أو المدرسة الفكرية؟
هنا نجد أنّ الناس ينقسمون إلى قسمين: هناك الشخصية التي تنفتح على الآخرين، وإن اختلفوا معه في الدين أو المذهب، أو الرأي أو الموقف. وهناك المنكفئ على نفسه، المنغلق على قناعاته ومواقفه الذي يرفض العلاقة مع الأغيار، بل ويرفض اللقاء بهم والحوار معهم.
هذان موقفان:
- موقف الانفتاح
- وموقف الانغلاق
ما هو رأي الدين في هذا الأمر؟
هل الدّين يوجه الإنسان المؤمن إلى أن ينغلق على معتقداته ومواقفه، ويقاطع من يخالفه، ويبتعد عمّن يغايره؟ أم أنّ الدّين يربي شخصية أبناءه على الانفتاح والتعايش مع الآخرين، مهما اختلفت عقائدهم ومذاهبهم، ومواقفهم وأفكارهم؟
إننا لو تأملنا آيات القرآن الحكيم والنصوص الواردة عن الرسول
وعن أهل بيته الكرام
، وقرأنا سيرتهم وحياتهم، لوجدنا أنّ الدّين ينمّي في أبنائه الشخصية المنفتحة؛ ذلك لأنّ التعددية والتنوع حالة طبيعية لا يمكن إلغاؤها، ولا يمكن أن تجمع الناس على دين واحد، أو على رأي واحد.
يقول تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة يونس، الآية: 99].
الإسلام يعترف بأنّ التعددية والتنوع والاختلاف والتباين أمر قائم لا يمكن لشخص أن يحلم بإلغائه. قد تتمنى أن يكون كلّ الناس على رأيك، وألّا يكون في الوجود غير دينك ومذهبك وطريقتك، لكنها أُمنية لا مكان لها في الدنيا التي خلقها الله من أجل الابتلاء والامتحان، ومنح الله تعالى فيها الإنسان الحرية والاختيار، هذه الأمنية لا يمكن أن تتحقق.
الإسلام يربي أبناءه على أن ينفتحوا على الآخرين، وأن يطّلعوا على ما عندهم من وجهات نظر.
يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [سورة الزمر، الآية: 18].
لم يقل يسمعون القول، وإنما يستمعون القول، بمعنى يتقصدون الاستماع إلى القول، ثم يستخدمون عقولهم، فيختارون القول الذي يقتنعون به. أما من يصم أذنه ويغلق سمعه، فإنّ وصوله إلى الحق والحقيقة سيكون أمرًا مشكوكًا فيه.
الشخصية الإسلامية القويمة لا تتسم بهذه السمة، فإذا رأينا شخصًا منغلقًا منكفئًا على نفسه، يجب أن نعلم أنه في هذا الجانب قد خالف توجيهات الدين وتعاليمه.
وهناك أسباب تدفع بعض الناس للانغلاق وإن كانوا يغلفون ذلك بغلاف ديني.
البعض يتصور أنه يبتعد عن الآخرين قربة إلى الله تعالى وتورعًا وتقوى، فهو لا يختلط إلّا بالأولياء المتقين الصالحين حسب رأيه، ويرى أنّ هذا من الدين، وأنّ المتديّن هو الذي يبتعد عن الأغيار والمخالفين، لكنّ هذا التفكير أو هذا التبرير تبرير زائف، إذ لو كان الابتعاد عن الأغيار والمخالفين أمرًا حسنًا، لسبقنا إليه رسول الله
، ولسبقنا إليه الأئمة الهداة
، ولمارسه علماؤنا الأعلام، بينما نرى أنّ نبينا
وأئمتنا وعلماءنا كانوا منفتحين؛ أوَلم يكن مجلس الإمام جعفر الصادق
مفتوحًا حتى للزنادقة الذين كانوا يقصدون مجلس الإمام، ويطيلون المكث فيه، ويتحاورون ويتناقشون مع الإمام؟ هل كان يطردهم؟ هل كان يزجرهم؟ هل كان يمتنع عن مقابلتهم؟
أوَما كان الشريف الرضي "رحمه الله"، وهو ذلك العالم الأديب النحرير، يتواصل مع أبي إسحاق الصابي (توفي: 384هـ)، الشريف الرضي لم يرفض صداقته ولم يرفض مخالطته، بل كان صديقه إلى آخر لحظة من لحظات حياته، وحينما توفي رثاه الشريف الرضي بقصيدة رائعة:
أَعَلِمتَ مَن حَمَلوا عَلى الأَعوادِ ** أَرَأَيتَ كَيفَ خَبا ضِياءُ النَّادي
وهي قصيدة موجودة في ديوان الشريف الرضي.
وكان إذا مرّ بقبره وهو راكب على راحلته، يترجل ويقول: إنني أستحي أن أمرّ على قبره راكبًا، وأترجل احترامًا لأدبه، فليس من الدين مقاطعة الناس، والانغلاق عن الأغيار والمخالفين، بل هو سوء فهمٍ للدين.
أولًا: إنّ انفتاح الإنسان على الآخرين يبرز مصداقية أخلاق الإسلام، إذا رأى الناس العالم المنفتح قالوا هذه هي الأخلاق الصحيحة السليمة، بينما العالم المنغلق المنكفئ الذي يستشكل في السلام على من يخالفه في الرأي، يبرز منظرًا سلبيًا لا يزيّن الدّين وإنما يشين الدّين، وقد أمرنا الإمام الصادق
بقوله: «كُونُوا زَيْنًا وَلاَ تَكُونُوا شَيْنًا»[3] .
وثانيًا: بالانفتاح تستطيع أن تؤثر على الآخرين.
وثالثًا: تستفيد من تجارب الآخرين.
ورابعًا: تتعاون مع الآخرين في المصالح الحياتية المشتركة.
لكلّ ذلك، فإنّ الانفتاح على الآخرين هو المطلوب.
نعم؛ هناك موارد استثنائية بالنسبة للإنسان الذي يشك في قدرته على مواجهة تأثير الآخرين، وطبعًا نحن نتكلم بالذات عن عالم الدين، ولا نتكلم عن الأشخاص العاديين، إذا كان عالم الدين يشك في أنه إذا التقى مع أهل الأديان والمذاهب والأفكار الأخرى يمكن أن يؤثر عليه باختلاطه مع الأغيار، فهذا أمر استثنائي.
والمورد الآخر، إذا كانت المقاطعة ضمن موقف ردعي، أنت تقاطع جهة كوسيلة لردعها، فهي حالة استثنائية ضمن برنامج مقصود، وليس سمة ملازمة لشخصية الإنسان المؤمن.
كان السيد مصطفى جمال الدين يجسد الشخصية المنفتحة مع المختلفين معه دينيًا ومذهبيًا وفكريًا، كانت له شبكة واسعة من العلاقات مع شخصيات من غير المسلمين، وكانت له علاقات مع شخصيات وجهات من غير مذهبه، ومع مختلفين معه في الرأي والفكر، ومع المختلفين معه في الموقف السياسي، لم تكن دائرة علاقاته منحصرة في الموافقين له، والمتفقين معه، وإنما كان منفتحًا على الجميع.
وقد سمعته يتحدث في أكثر من مجلس حول هذا الجانب، بل كتب في مقدمته لديوانه الذي طبع تحت عنوان (الديوان)، إحدى الفقرات تحت عنوان (الفكر المنفتح في المجتمع المغلق)، تحدث عن المجتمع في النجف الأشرف في تلك الفترة، وحالة المحافظة التي تصل حسبما تحدث عنها إلى مستوى التزمت والتشدد والانغلاق، وكيف أنه ومجموعة من أصدقائه يقرؤون المجلات والجرائد الواردة من مختلف الدول ويبحثون عنها، في الوقت الذي كانت فيه قراءة الجريدة أو المجلة تعتبر عيبًا أو خطأً بالنسبة لرجل الدين، وما شأن رجل الدين مع الجرائد والمجلات؟ إنما وهبه الله نعمة البصر ليقرأ بها الكتب الصفراء ذات الطبعات الحجرية، أما أن يصرف جزءًا من جهد نظره وفكره في مطالعة الصحف والمجلات والكتب الأدبية، فهذا عيب لا ينبغي اتصاف رجل الدين به!! في ذلك الوقت كان الفقيد الراحل وعدد من زملائه يخالفون هذه الحالة، وكان هناك علماء أجلاء يوجهون بهذا الاتجاه، كان هناك علماء عُرفوا بانفتاحهم العلمي والفكري، وفي طليعتهم الشهيد السيد محمد باقر الصدر "رحمه الله"، الذي كان قمة شاهقة في المعرفة والانفتاح.
والفقيد الراحل كان يخدم وطنه وشعبه ومحبيه من خلال انفتاحه، كلّما احتاج أحدٌ له في حاجة، وكلّ من طرق بابه في مشكلة، يجد أنّ لديه بابًا وطريقًا إلى قضاء حاجته ومعالجة مشكلته، عبر علاقاته الواسعة وانفتاحه على كثير من النافذين والمؤثرين في الواقع السياسي والاجتماعي.
أكتفي بهذا القدر من الحديث عن هذه السمة في حياة الفقيد عسى أن تكون عبرة ودرسًا نستفيد منها.
رحم الله العالم الأديب الدكتور السيد مصطفى جمال الدين، وأعلى مقامه ورفع درجاته، وألهم أبناءه وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا وقد بدأ الحفل بتلاوة آيات من القرآن الكريم بصوت الشيخ زكي عبدالكريم الخنيزي، ثم توالت القصائد للشعراء: سماحة السيد سعيد الخباز، والشيخ منصور الجشي، والشعراء عبدالله وعلي ومحمد أبناء جعفر آل إبراهيم، والشاعر شفيق العبادي، والشاعر الشيخ عبدالكريم آل زرع، والشاعر باسم العيثان، وألقى الأستاذ عصام الشماسي قصيدة نيابة عن الشاعر السيد سعيد العوامي، والشاعر بدر الشبيب، وكلمة للسيد مهدي الصايغ، وكان مقدم الحفل الأديب الأستاذ عبدالله سعيد البيّك.






