حفظ الذاكرة الاجتماعية وتوثيقها
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيّنا محمد وآله الطاهرين.
إنّ تقدير الكفاءات واحترام الطاقات من سمات المجتمع الواعي المتحضر. وفي مجتمعنا كثير من الطاقات والكفاءات التي تستحق مزيدًا من الاحترام والتقدير.
وغالبًا ما تنال هذه الكفاءات شيئًا من حقها عبر الشهادات والجوائز والأوسمة، والمشاركة في المؤتمرات المختلفة، وتحظى بالتقدير في الأوساط العلمية والأكاديمية المتخصصة، كلٌّ في مجاله. لكنّ ذلك لا يغني عن الاحتفاء بهذه الطاقات في وسطها الاجتماعي وبين أهلها وأحبتها.
وأعتقد أنّ مشاعر الإنسان حينما يُحتفى به بين أهله وأحبته لا تعادلها أيّ مشاعر أخرى، مهما حظي بالتقدير والاحتفاء في الأوساط المختلفة.
لذلك، فإنّ مثل هذا اللقاء، وهذه الأمسية، تُمثل شيئًا من الحقّ والوفاء تجاه قامة من القامات الأدبية والأكاديمية في مجتمعنا ووطننا، وهو الأستاذ الدكتور أحمد، ابن العلامة الراحل الشيخ محمد تقي المعتوق.
وهذا جهد متواضع، والدكتور المعتوق يستحق من التقدير والاحترام والإجلال ما هو أكبر من ذلك.
كتابة وجدانية تنبض بالحياة
أودّ أن أشيد بهذا العمل المتميز الذي أصدره في سيرة مدينة تاروت، (تاروت: الجزيرة الخضراء ومرفأ الأزمنة).
فكثير من الباحثين حينما يكتبون عن مدينة من المدن يكتفون بما ورد عنها في المصادر التاريخية، وهذا جهد يُشكرون عليه. لكن أن تكون هناك كتابة وجدانية تنطلق من المشاهدة والمعاشرة، وتعتمد على روايات الجيل الذي عاش في هذه المدينة، وتنقل رواية المجتمع عن نفسه، وتسجل الانطباعات المباشرة، لا أن تقتصر على ما ورد في الكتب والآثار والوثائق التاريخية، مع أهمية ذلك كله؛ فهذا ما يضفي على العمل قيمة خاصة.
وما يزيد هذا النوع من الكتابة أهمية أن يقدم صورًا حية وطبيعية، تُنقل إلى القارئ وكأنه يعيشها بنفسه. وهذا ما أبدع فيه الدكتور المعتوق في هذا الكتاب.
لقد قرأت الكتاب كله، صفحة صفحة، وسطرًا سطرًا، وكلمة كلمة، واستمتعت به كثيرًا.
فتاروت، رغم أنني أنتمي إليها وأزورها منذ صغري، تعرّفت عليها أكثر حينما قرأت هذا الكتاب. فقد وُلدت في مدينة القطيف، لكنّ والدي، رحمه الله، كان يأخذني معه كثيرًا إلى تاروت.
ومع ذلك، فقد عرّفني هذا الكتاب على تاروت بصورة أعمق.
إنه يتجول بك في أزقة تاروت، وحينما يتحدث عن حمام تاروت، يجعلك تشعر وكأنك تسبح فيه الآن!
وحينما يصف لك موائد الطعام في تاروت، خاصة خلال زياراته برفقة والده، الشيخ محمد تقي "رحمه الله"، إلى سنابس، في منزل النوخذه الحاج سلمان بن عبدالله آل حبيب، "رحمه الله"؛ فإنه يصف لك المائدة وما احتوته من طعام، حتى تشعر وكأنك تتذوق ذلك الطعام وتشم رائحته، وأنت تقرأ السطور التي كتبها بلغة رشيقة جميلة رائعة.
وهكذا في كتابته عن سوق تاروت، وعن دكان العطارة للسيد شبر الحواج؛ إذ يصف لك المكان وما فيه ورواده، فكأنك تقف بالفعل على عتبة ذلك الدكان.
إنّ هذا التصوير للحياة الاجتماعية والطبيعية والثقافية في تاروت تصوير رائع وجميل جدًا، استطاع من خلاله المؤلف أن ينقل إلى القارئ مشاهد حية من ذاكرة المكان والمجتمع.
وأودّ هنا أن أشيد بحفظ الدكتور لبعض ذكريات والده وانطباعاته ومعلوماته، المرحوم العلامة الشيخ محمد تقي المعتوق (ت: 1432هـ).
ولعلّ بعض الحاضرين، وخاصة المشايخ، قد حضروا مجالس الشيخ المعتوق، وعرفوا ما كان يتمتع به من ذاكرة ثرية.
كان ذاكرة وطن، وذاكرة مجتمع.
جلساته زاخرة بالقصص والأحاديث والمعلومات؛ فلا تُذكر شخصية إلّا ويحفظ لها قصة، ولا تُذكر عائلة إلّا ويعرف شجرة نسبها، ولا يُذكر حدث إلا وهو ملمٌّ ببعض تفاصيله.
وكنت أتأسف في بعض تلك المجالس التي حضرتها في منزله، وأتساءل: كيف لا تُكتب هذه المعلومات؟ وكيف لا تُنقل حرفيًا، كما كان الشيخ، رحمه الله، يرويها؟
والحمد لله، فقد حفظ لنا ابنه البار، الدكتور أحمد، شيئًا مما تحدث به والده، ومما اختزنته ذاكرته.
وهذا يدفعنا إلى الاهتمام برجالات المجتمع من كبار السن، والاستفادة مما لديهم من ذكريات ومعلومات.
ففي كلّ مدينة، وفي كلّ قرية، هناك أشخاص لديهم كثير من المعلومات عن بدايات حياتهم، وعن الجيل الذي عاصروه، أو ما سمعوه ممن سبقهم من الأجيال، عمّا كان في منطقتهم وبلدهم.
ينبغي أن نهتم بتوثيق تاريخ مناطقنا ومجتمعنا؛ فهذا حق للجيل الجديد علينا، وهو عامل مساعد على تعزيز الهوية الوطنية في نفوس أبنائنا، وعلى تأصيل القيم والعادات والأخلاق الكريمة.
ما أروع أن يتحدث الأب لأبنائه عن تاريخ مجتمعه وبلده، لا بوصفه مجرد أحداث ووقائع يسردها، وإنما كأسلوب لتعزيز القيم في نفوسهم، ونقل العادات الجميلة إلى سلوكهم وحياتهم.
مرة أخرى، أشكر الدكتور على جهده الكبير في تأليف هذا الكتاب وتحريره وطباعته ونشره، وأتمنى له طول العمر، والتمتع بالصحة والعافية، وننتظر منه المزيد من العطاء، إن شاء الله.
وأشكركم جميعًا على الحضور.
والحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على نبيّنا محمد وآله الطاهرين.








