أشاد بكتاب الدكتور المعتوق عن جزيرة تاروت، ودعا إلى توثيق ذاكرة المجتمع وحفظها للأجيال
الشيخ الصفار: الاحتفاء بالكفاءات حق لا يغني عنه التقدير الأكاديمي
أكد سماحة الشيخ حسن الصفار أن تقدير الكفاءات واحترام الطاقات من سمات المجتمع الواعي المتحضر، مشددًا على أن ما تحظى به الشخصيات العلمية والأدبية من تكريم في الأوساط الأكاديمية والمتخصصة لا يغني عن الاحتفاء بها في محيطها الاجتماعي وبين أهلها وأحبتها.
وقال: إن مشاعر الإنسان حينما يُحتفى به بين أهله وأحبته لا تعادلها أي مشاعر أخرى، مهما حظي بالتقدير والاحتفاء في الأوساط الأخرى.
جاء ذلك في كلمة ألقاها سماحته خلال مجلسه الأسبوعي مساء الجمعة 28 ربيع الآخر 1448هـ، الموافق 9 أكتوبر 2026م احتفاء بالأستاذ الدكتور أحمد المعتوق وكتابه (تاروت: الجزيرة الخضراء ومرفأ الأزمنة - سيرة مدينة)، بمشاركة عدد من علماء الدين والأدباء والمثقفين.
وأوضح أن هذا الاحتفاء يمثل شيئًا من الحق والوفاء تجاه قامة أدبية وأكاديمية بارزة في المجتمع والوطن، مؤكدًا أن الدكتور المعتوق يستحق من مظاهر التقدير والاحترام والإجلال ما هو أكبر، نظير عطائه العلمي والأدبي.
«سيرة مدينة» .. حين تتحول الذاكرة إلى مشاهد حية
وأشاد الشيخ الصفار بالعمل الأدبي التوثيقي الذي قدمه الدكتور المعتوق في كتابه عن جزيرة تاروت، معتبرًا أن قيمته المميزة تكمن في تجاوزه السرد التاريخي التقليدي إلى كتابة وجدانية تنطلق من المشاهدة والمعايشة، وتستند إلى روايات الأجيال التي عاشت تفاصيل الحياة في مدينة تاروت.
وأشار إلى أن الكتاب لا يكتفي بما ورد في المصادر والوثائق التاريخية، على أهميتها، بل ينقل رواية المجتمع عن نفسه، ويستحضر انطباعاته المباشرة، مقدمًا صورًا حية تجعل القارئ وكأنه يعيش أحداثها ويتجول في أمكنتها.
وعبّر سماحته عن إعجابه الكبير بالكتاب، قائلًا: «لقد قرأت الكتاب كله، صفحة صفحة، وسطرًا سطرًا، وكلمة كلمة، واستمتعت به كثيرًا».
وأضاف أنه رغم انتمائه إلى تاروت وزياراته المتكررة لها منذ طفولته برفقة والده، فإنه تعرف عليها بصورة أعمق بعد قراءة الكتاب.
وتوقف عند براعة المؤلف في تصوير تفاصيل الحياة اليومية، من أزقة تاروت وحمامها، إلى موائد الطعام والمجالس الاجتماعية والأسواق الشعبية، مشيرًا إلى أن وصفه لموائد الضيافة خلال زياراته برفقة والده، العلامة الشيخ محمد تقي المعتوق، يجعل القارئ وكأنه يتذوق الطعام ويشم رائحته.
كما أشاد بوصف المؤلف لسوق تاروت ودكان العطارة للسيد شبر، بما يتضمنه من تفاصيل المكان ورواده، حتى يشعر القارئ وكأنه يقف بالفعل على عتبة الدكان.
ورأى أن هذه اللغة الرشيقة، بما تحمله من تصوير للحياة الاجتماعية والثقافية والطبيعية، منحت الكتاب قيمة وجدانية وتوثيقية متميزة، وجعلته نافذة حية على ذاكرة المدينة وأهلها.
الشيخ محمد تقي المعتوق .. ذاكرة وطن ومجتمع
وفي جانب آخر من كلمته، ثمّن الشيخ الصفار حرص الدكتور أحمد المعتوق على حفظ جانب من ذكريات والده العلامة الراحل الشيخ محمد تقي المعتوق، وما اختزنته ذاكرته من معلومات وقصص وروايات عن المجتمع وتاريخه ورجالاته.
ووصف الشيخ الراحل بأنه «ذاكرة وطن، وذاكرة مجتمع»، مستذكرًا مجالسه الزاخرة بالأحاديث والمعلومات، وسعة معرفته بالشخصيات والعائلات والأنساب والأحداث التاريخية.
وقال في وصف ذاكرته: «فلا تُذكر شخصية إلا ويحفظ عنها قصة، ولا تُذكر عائلة إلا ويعرف شجرة نسبها، ولا يُذكر حدث إلا وهو ملمّ ببعض تفاصيله».
وأشار إلى أنه كان يشعر بالأسف خلال بعض المجالس التي حضرها في منزل الشيخ الراحل، متسائلًا عن سبب عدم تدوين تلك المعلومات ونقلها كما كان يرويها، معربًا عن تقديره لابنه البارّ الدكتور أحمد المعتوق الذي استطاع أن يحفظ في كتابه شيئًا من تلك الذاكرة الثرية.
توثيق تاريخ المجتمع حق للأجيال القادمة
ودعا الشيخ الصفار إلى الاهتمام بكبار السن من رجالات المجتمع، والاستفادة مما يمتلكونه من ذكريات ومعلومات وتجارب، مؤكدًا أن في كل مدينة وقرية أشخاصًا يحملون ذاكرة غنية عن الحياة الاجتماعية والأحداث والشخصيات، سواء مما عاصروه بأنفسهم أو تلقوه عن الأجيال السابقة.
وشدد على أهمية المبادرة إلى جمع هذه الروايات وتوثيقها قبل ضياعها، باعتبارها جزءًا أصيلًا من التاريخ الاجتماعي والذاكرة الوطنية.
وقال سماحته: «ينبغي أن نهتم بتوثيق تاريخ بلداننا ومناطقنا ومجتمعنا؛ فهذا حق للجيل الجديد علينا».
وبيّن أن حفظ التاريخ المحلي لا يقتصر على صيانة المعلومات والأحداث من النسيان، بل يسهم في تعزيز الهوية الوطنية لدى الأجيال الجديدة، وتأصيل القيم والعادات والأخلاق الكريمة في نفوسهم.
وأكد أهمية أن ينقل الآباء إلى أبنائهم تاريخ مجتمعهم وبلدهم بأسلوب يتجاوز مجرد سرد الوقائع، ليصبح وسيلة تربوية تعزز القيم، وتنقل العادات الجميلة إلى سلوك الأبناء وحياتهم.
وفي ختام كلمته، جدد الشيخ الصفار شكره وتقديره للدكتور أحمد المعتوق على جهده الكبير في تأليف هذا الكتاب وتحريره وطباعته ونشره، متمنيًا له دوام الصحة والعافية وطول العمر، ومزيدًا من العطاء والإنتاج الفكري والأدبي.
وقد بدأ الاحتفاء بكلمة لمدير الجلسة الأستاذ زكي البحارنة استعرض فيها السيرة العلمية والأدبية للمعتوق، كما أضاء على فصول الكتاب معرفًا بها.
وفي كلمته أوضح الدكتور المعتوق أن الكتاب الذي يقارب 450 صفحة، بدأ مشروعًا مقاليًا قبل أن تتجمع مادته في إصدار متكامل، مؤكدًا أنه لا يتبع منهج البحث الأكاديمي الجدلي، بل يمثل، على حد وصفه، "إملاءً وجدانيًا" لمشاعره تجاه الجزيرة التي نشأ فيها، وظلت حاضرة في ذاكرته وكتاباته.
وشهدت الأمسية كلمة مسجلة للدكتور السيد عدنان الشخص، الذي اعتذر عن عدم الحضور لظروف طارئة، واستعاد فيها علاقته بالمعتوق منذ أيام دراستهما في مدينة النجف، مشيدًا بمكانته الأكاديمية والأدبية، وبأثره في آلاف الطلاب خلال مسيرته أستاذًا في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن.
واختُتمت المشاركات بقصيدة للشاعر شفيق العبادي، استحضر فيها جمال تاروت ومكانتها في الذاكرة.
تاروت: الجزيرة الخضراء
تتوزع مادة كتاب (تاروت: الجزيرة الخضراء ومرفأ الأزمنة - سيرة مدينة) على سبعة فصول، بدأ أولها بالجغرافيا المكانية لتاروت، بما تتضمنه من قلاع وعيون وسواقي، إلى جانب موقع ميناء دارين ودوره التاريخي.
وتناول الفصل الثاني طبيعة الجزيرة وأرضها وثروتها المائية والزراعية وتنوع الطيور فيها، وما تركته هذه البيئة من أثر في الأدباء والشعراء.
أما الفصل الثالث، فرصد الحياة الاجتماعية والتركيبة السكانية للجزيرة، وما شهدته من استقرار عائلات قدمت من مناطق مختلفة من الخليج، بينها عائلات عمانية وكويتية وبحرينية، إلى جانب توثيق المهن المتوارثة والطب الشعبي والحراك الديني والثقافي ودور المجالس والخطباء في تشكيل الحياة المحلية.
وخصص المعتوق الفصل الرابع للصور والشخصيات التي أسهمت في الحياة الاجتماعية والعلمية والاقتصادية في تاروت، وفي مقدمتها والده الشيخ محمد تقي آل معتوق وعمه الشيخ عبدالله المعتوق، إلى جانب شخصيات أخرى شاركت في مشاريع زراعية واقتصادية وتعليمية.
كما يتناول الكتاب دور المرأة التاروتية في الحياة الاجتماعية ومجالات الفنون والخياطة والتربية.
ويرصد الفصل السادس ظواهر محلية، من بينها استخدام الأهالي وسيلة عُرفت باسم "المضوي" لإنارة ظلام البحر ليلًا، ووجود ينابيع مياه عذبة وسط مياه البحر المالحة.
ويختتم الكتاب فصوله برصد الظواهر اللغوية في الجزيرة، من خلال ثلاثة جداول لألفاظ محلية ذات جذور هندية وتركية وفارسية، إلى جانب مفردات أجنبية، في محاولة لتوثيق أثر التفاعل الحضاري والتاريخي في لغة المجتمع المحلي.













