الأسرة مسؤولية وعطاء

 

يقول تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [سورة الطلاق، الآية: 7].

حينما يتم عقد الزواج بين رجل وامرأة، يتشكل كيان إنساني يتنامى بإنجاب الأطفال، ويُطلق عليه أسرة.

يبدأ هذا الكيان بفردين، هما الزوجان اللذان ينتجان أولادًا ينضوون ضمن هذا الكيان، وهو مجتمع مصغّر نواة المجتمع الكبير الذي يتكون من مجموع الكيانات الأسرية فيه.

الإدارة الحكيمة للأسرة

هذا الكيان الأسري يحتاج إلى نظام وإدارة حكيمة، ليحقق أغراضه الإنسانية الاجتماعية بنجاح، فالزوجان لكلٍّ منهما شخصيته ورغباته، وقد تكون خلفيتهما العائلية والتربوية والثقافية مختلفة، كما أنّ الأولاد يمثلون جيلًا جديدًا له متطلباته المختلفة، وقد يتفاوت الأولاد في شخصياتهم.

من هنا، فإنّ توفير متطلبات الحياة لأفراد الأسرة وتلبية رغباتهم، وتعزيز التوافق والانسجام فيما بينهم، كلّ ذلك يتحدد ويتأثر بمستوى الحكمة في إدارة الأسرة. فكلما كانت درجة الحكمة أعلى، ارتفعت نسبة النجاح والسعادة في الأسرة، وحين تغيب الحكمة يحصل التباعد النفسي بين أفراد الأسرة، مما قد يؤدي إلى فشلها وتفككها.

جاء في رواية عن رسول الله : «مَا مِنْ بَيْتٍ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْحِكْمَةِ إِلَّا كَانَ خَرَابًا»[1] .

وقد أورد هذا الحديث الشيخ الطبرسي (توفي: 548هـ) في مجمع البيان، دون ذكر سند له، فهو حديث مرسل، لكنّ مضمونه يصدقه الوجدان، فيمكن التعامل معه كحكمة من واقع التجربة الإنسانية الاجتماعية.

وإذا كانت الحكمة هي حسن إدارة الذات والحياة، فإنّ الأسرة هي الميدان الأبرز الذي يتجلى فيه سلوك الحكمة عند الإنسان، لأنها جزء من ذاته ووثيقة الصلة بكلّ جوانب حياته، إنّ نجاح الحياة الأسرية هو النجاح الأكبر الذي يساعد الإنسان على النجاح في سائر مجالات حياته، بينما قد يؤدي الفشل في الحياة الأسرية إلى تراجع نسبة النجاح في المجالات الأخرى.

إنّ ممارسة الحكمة في إدارة الأسرة لها عدة مقومات، نشير في حديثنا إلى مقومين منها، هما: تحمّل المسؤولية وروح العطاء.

تحمّل المسؤولية

إنّ كلًّا من الزوجين يجب أن يشعر بالمسؤولية تجاه حياتهما الأسرية، وأن يتحمل المسؤولية على المستوى العملي، بتقديم مصلحة كيان الأسرة على مصالحه ورغباته الشخصية. خاصة بالنسبة للرجل، فإنه المسؤول بالدرجة الأولى باعتبار قوامته الشرعية والعرفية.

الرجل والمرأة قبل الزواج كلٌّ منهما معني بنفسه، أما بعد الزواج، فإنّ دائرة العناية والاهتمام يجب أن تشمل الآخر والأولاد. إنّ الله تعالى يقول: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾[سورة التحريم، الآية: 6] فعلى الإنسان أن يقيَ نفسه وأهله مخاطر الدنيا ونار الآخرة.

وورد عن رسول الله : «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْهُمْ»[2] .

إننا نعيش عصرًا سادت فيه الأنانية وتضخّم الذات عند الإنسان، فانعكست على الحياة العائلية، حيث يقدّم كثير من الأزواج والزوجات الرغبات الذاتية والمصالح الشخصية على حساب الاهتمام العائلي.

ونرى من مظاهر هذه الحالة: قضاء وقت طويل في متابعة مواقع التواصل الاجتماعي، على حساب التحادث مع الزوج والأولاد والاهتمام بقضايا الأسرة.

وكذلك صرف الوقت في جلسات الثلل والأصدقاء، وسفرات الترفيه دون صحبة العائلة.

وقد ذكر الفقهاء أنّ من النفقات المكروهة (التوسعة على النفس إذا عارضها التوسعة على العيال)[3] .

إنّ الاهتمام بالأسرة، خاصة في الأوقات الحسّاسة، هو ما يفرضه الشعور بالمسؤولية وتحمّلها، كأوقات المرض أو الصعوبات الحياتية والاجتماعية، ومن أبرزها الاهتمام بدراسة الأولاد وتربيتهم، الذي ينبغي أن يتعاون فيه الزوجان، لا أن يلقي أحدهما كلّ العبء على الآخر.

والأمر الآخر هو روح العطاء، أن يبادر كلٌّ من الطرفين للعطاء للآخر ولمصلحة الأسرة.

العطاء العاطفي

ويتجلى ذلك في العطاء العاطفي، والعطاء المادي.

والعطاء العاطفي له أهمية قصوى، فالإنسان كتلة من المشاعر والعواطف تحتاج إلى من يتفاعل ويتناغم معها، وحين يفتقد التجاوب العاطفي ممن حوله، يعيش جوعًا وفراغًا عاطفيًا مؤلمًا، قد يدفع إلى مسالك وخيمة.

لذلك يركز القرآن الكريم على أنّ الحياة الزوجية سكن نفسي لكلا الطرفين، وعلى أولوية المودة والرحمة في الحياة الأسرية.

يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [سورة الروم، الآية: 21].

إنّ بعض الرجال قد يبخل على زوجه بكلمة يبدي فيها محبته واحترامه لها، أو أن يُقدّم لها الشكر على ما تُقوم به من دور تجاهه، وتجاه الأولاد والمنزل.

ورد عن رسول الله : «قَوْلُ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ إِنِّي أُحِبُّكِ لَا يَذْهَبُ مِنْ قَلْبِهَا أَبَدًا»[4] .

وبعض النساء قد تغفل عن إبداء المحبة والاحترام لزوجها، وأن تشكره على تحمّله لمسؤولياته.

كذلك ينبغي إظهار أشدّ ألوان الحبّ والحنان والعطف تجاه الأولاد، ذكورًا وإناثًا، فعن الإمام جعفر الصادق : «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْحَمُ الْعَبْدَ لِشِدَّةِ حُبِّهِ لِوَلَدِهِ»[5] .

العطاء المادي

أما العطاء المادي فقد أوجب الإسلام على الرجل تحمّل النفقة، وتوفير الاحتياجات المادية للأسرة.

يقول تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [سورة الطلاق، الآية: 7].

والآية الكريمة تتحدث عن مسألة النفقة على الأسرة، وتربطها بمدى قدرة الإنسان وسعته المادية.

ومما اتفق عليه فقهاء الإسلام أنّ نفقة الزوجة واجبة على الزوج، وإن كانت غنيّة غير محتاجة[6] .

ولا تقدير للنفقة شرعًا، بل الضابط القيام بما تحتاج إليه الزوجة في معيشتها من الطعام والإدام والكسوة والفراش والغطاء والمسكن والخدم وآلات التدفئة والتبريد وأثاث المنزل وغير ذلك ممّا يليق بشأنها بالقياس إلى زوجها، ومن الواضح اختلاف ذلك نوعًا وكمًّا وكيفًا بحسب اختلاف الأمكنة والأزمنة والحالات والأعراف والتقاليد اختلافًا فاحشًا[7] .

إذا لم يكن عنده ما ينفقه على زوجته وجب عليه تحصيله بالتكسّب اللائق بشأنه وحاله[8] .

كما يجب الإنفاق على الأولاد والوالدين مع حاجتهم إلى ذلك. والمشهور بين الفقهاء وجوب ذلك على المرأة أيضًا تجاه والديها وأولادها مع الحاجة إن لم يكن لهم أب أو جد لأب ينفق عليهم.

إنّ من المؤسف أن يمارس بعض المتمكنين ماليًا البخل والتقصير تجاه عائلته، ويُضيّق عليهم في حياتهم، فيعيش هو وعائلته في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء.

ورد عن أمير المؤمنين علي : «يَعِيشُ فِي الدُّنْيَا عَيْشَ الْفُقَرَاءِ - ويُحَاسَبُ فِي الآخِرَةِ حِسَابَ الأَغْنِيَاءِ»[9] .

وحسب المؤشر العدلي لوزارة العدل السعودية، بلغ إجمالي عدد قضايا النفقة المنجزة في محاكم التنفيذ خلال العام الماضي (2025م) والربع الأول من العام الحالي 37.160 قضية، وعدد المحاضر 4.246 محضرًا[10] .

ورد عن الإمام زين العابدين علي بن الحسن : «أَرْضَاكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَسْبَغُكُمْ عَلَى عِيَالِهِ»[11] .

عن الإمام جعفر الصادق : «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُهُ»[12] .

وعنه : «مِنْ سَعَادَةِ الرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ الْقَيِّمَ عَلَى عِيَالِهِ»[13] .

وورد عن الإمام مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ الكاظم :‌ «إِنَّ عِيَالَ الرَّجُلِ أُسَرَاؤُهُ، فَمَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعْمَةً فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُسَرَائِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَوْشَكَ أَنْ تَزُولَ تِلْكَ النِّعْمَةُ»[14] .

وورد عن الإمام علي بن موسى الرضا : «يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى عِيَالِهِ كَيْلَا يَتَمَنَّوْا مَوْتَهُ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‌ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ قَالَ: الْأَسِيرُ عِيَالُ الرَّجُلِ، يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ إِذَا زِيدَ فِي النِّعْمَةِ أَنْ يَزِيدَ أُسَرَاءَهُ فِي السَّعَةِ عَلَيْهِمْ»[15] .

وورد عن الإمام علي بن موسى الرضا : «صَاحِبُ النِّعْمَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْسِعَةُ عَنْ عِيَالِهِ»[16] .

التقصير تجاه الأسرة إثم أكبر

إنّ على الإنسان أن يعلم أنه مسؤول أمام الله تعالى عن اهتمامه بأسرته، وأنّ التديّن الصحيح لا يتحقق للإنسان المهمل لأسرته، والمقصّر في حقوق زوجه وأولاده، وأداؤه للصلاة والصيام وسائر العبادات لا تنجيه يوم القيامة إن لم يتحمّل مسؤوليته العائلية.

كما لا تتحقق السعادة والراحة في حياة الإنسان إذا لم يتوفر الانسجام والرضا في حياته الأسرية، فالمال أو الوظيفة أو الرغبات الجانبية لا قيمة لها مع انعدام الانسجام العائلي.

وإذا كانت النفقة واجبة على الزوج، فإنه ينبغي للمرأة المتمكنة ماليًا، ألّا تبخل على أسرتها تعاونًا مع الزوج، وزيادة في التوسعة على العيال، وذلك من أفضل المصارف لما أنعم الله به عليها، حيث تنال الثواب والأجر، وتُسهم في سعادة أسرتها.

فإنّ التوسعة على العيال من أعظم الصدقات[17] .

مصادر الخطبة:
  1. الحرّ العاملي، الشيخ محمد بن الحسن، هداية الأمة إلى أحكام الأئمة، مجمع البحوث الإسلامية، مشهد، ط1، 1413هـ.
  2. السيستاني، السيد علي الحسيني، منهاج الصالحين، دار المؤرخ العربي، بيروت، ط9، 2018م.
  3. الشريف الرضي، نهج البلاغة، تحقيق الدكتور صبحي الصالح، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط1، 1967م.
  4. الشهيد الأول، محمد بن مكي العاملي، الدروس الشرعية في فقه الإمامية، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، ط2، 1417هـ.
  5. صحيفة الوطن (السعودية).
  6. الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ط2، 1413هـ.
  7. الطبرسي، الشيخ الفضل بن الحسن، مجمع البيان، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط1، 1415هـ.
  8. الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4، 1407هـ.
  9. النيسابوري، الإمام مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، دار المغني، الرياض، ط1، 1419هـ.
  10. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامي الكويتية، الموسوعة الفقهية، الكويت، ط1، 2002م.

 

خطبة الجمعة 21 ربيع الآخر 1448هـ الموافق 2 أكتوبر 2026م.

[1]  مجمع البيان، ج2، ص194.
[2]  صحيح مسلم، باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر...، ح1829.
[3]  هداية الأمة إلى أحكام الأئمة، ج7، ص344.
[4]  الكافي، ج5، ص569، ح59.
[5]  الكافي، ج6، ص50، ح5.
[6]  منهاج الصالحين، ج3، ص129، مسألة: 433. الموسوعة الفقهية،الكويتة، ج41، ص34.
[7]  منهاج الصالحين، ج3، ص129، مسألة: 420.
[8]  منهاج الصالحين، ج3، ص129، مسألة: 429.
[9]  نهج البلاغة، حكمة: 126.
[10]  https://www.alwatan.com.sa/article/1175851.
[11]  الكافي، ج4، ص11، ح1.
[12]  الكافي، ج4، ص12، ح8.
[13]  الكافي، ج4، ص13، ح13.
[14]  من لا يحضره الفقيه، ج4، ص402، ح5867.
[15]  الكافي، ج4، ص11، ح3.
[16]  الكافي، ج4، ص11، ح4.
[17]  الدروس الشرعية في فقه الإمامية، ج1، ص255.