قولوا قولًا سديدًا
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾[سورة الأحزاب، الآيتان: 70-71].
الكلام هو النشاط الأبرز الذي يقوم به الإنسان في حياته الاجتماعية، التي هي أساس حاجته للكلام، فلو كان يعيش بمفرده دون وجود آخرين معه، لا يجد حاجة إلى الكلام، لكن طبيعة حياته الاجتماعية تؤسس لحاجته للكلام وممارسته له، حتى يُعبّر عمّا يريده وعمّا في نفسه لمن حوله، وفي المقابل يفهم منهم ما يقصدونه ويريدونه.
دور الكلام في حياة الإنسان
الكلام أو ما يقوم مقامه كالكتابة والإشارة، هو جسر تواصل الإنسان مع الآخرين، ووسيلة تبادل المعلومات والأفكار، والتعبير عن المشاعر والأحاسيس.
إنّ الكلام يُظهر ما يدور في فكر الإنسان، ويكشف عن مشاعره وأحاسيسه، وعبره يتعرف الآخرون عليه، ويقوّمون شخصيته.
ورد عن أمير المؤمنين علي
: «صُورَةَ اَلرَّجُلِ فِي مَنْطِقِهِ»[1] .
وعنه
: «تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا فَإِنَّ الْمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِه»[2] .
وعنه
: «اَلْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ»[3] .
قال الشاعر العربي زهير بن أبي سلمى:
لِسانُ الفَتى نِصفٌ وَنِصفٌ فُؤادُهُ ** فَلَم يَبقَ إِلّا صورَةُ اللَحمِ وَالدَمِ[4]
والكلام له دور أساس في تشكيل علاقة الإنسان مع الآخرين، في الاتجاه الإيجابي أو السلبي. فإذا أحسن التخاطب معهم، كسب محبتهم وثقتهم، واستطاع صنع العلاقة الطيبة معهم، أما إذا أساء التخاطب مع الناس، فسينفرون منه ويعادونه.
منهجية الكلام واستقامة الحياة
يمكن القول إنّ استقامة حياة الإنسان المادية والمعنوية، والفردية والاجتماعية، تعتمد إلى حدٍّ كبير على استقامة منهجيته في الكلام والحديث، هذا ما يثبته الواقع والوجدان، وتؤكد عليه النصوص الدينية.
روى أمير المؤمنين علي
عن رَسُولُ اللَّه
: «لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُه، ولَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُه حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُه»[5] .
ومن أهم تجليات الحكمة في شخصية الإنسان انضباطه واتزانه في مجال الكلام، وتخاطبه مع الآخرين، وحرصه على أن يكون ما يتكلم به قولًا سديدًا، أي محكمًا صائبًا لا خلل فيه، وهذا ما يؤكده قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾[سورة الأحزاب، الآية: 70].
وفي آية أخرى يقول تعالى: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾[سورة النساء، الآية: 9].
فإن التقوى تدفع الإنسان إلى الانضباط في كلامه، فلا يقول إلا قولًا صائبًا محكمًا، ثم تتحدث الآية التالية عن نتائج التزام الحكمة في الكلام، يقول تعالى: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾[سورة الأحزاب، الآية:71].
ولأهمية هذا التأكيد والتوجيه في الآية الكريمة، كان رسول الله
يتلوها على المسلمين في كلّ خطاب له.
ورد عن الصحابي سهل بن سعد الساعدي، قال: (مَا جَلَسَ رَسُولُ اللهِ
عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ قطّ إِلَّا تَلا هَذِهِ الْآيَة: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَقُولُوا قولا سديداً﴾)[6] .
وعن أبي موسى الأشعري قال: (صلى بِنَا رَسُول الله
صَلَاة الظّهْر ثمَّ قَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمْ اثْبُتُوا» ثمَّ أَتَى الرِّجَال فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أْمَرَنِي أَنْ آمُرَكُمْ أَنْ تَتَّقُوا اللَّهَ، وَأَنْ تَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا)[7] .
إنّ نهج الحكمة في الكلام والسداد في القول، ينطلق من الضوابط التالية:
أولًا: استشعار المسؤولية عند الكلام
ليسر عملية التكلم عند الإنسان، حيث لا تكلفه جهدًا يذكر، ولا صرف شيء من المال، فإنّ البعض يطلق العنان لنفسه بالكلام كيفما يشاء، مما يوقعه في المزالق والأخطاء، وكم من الناس من دفع ثمنًا باهظًا لكلمة قالها أو كتبها في حالة هزل وثرثرة، أو فضفضة كما يقال. دون أن يتوقع لها مردودًا سلبيًا.
وتتحدث التقارير عن أحد أغنى رجال بريطانيا في وقت من الأوقات، وكيف خسر إمبراطوريته بسبب "مزحة"، وهو (جيرالد راتنر)، الذي كان يُنظر إليه ذات يوم كأيقونة في عالم المال والتجزئة، ملك المجوهرات بلا منازع في بريطانيا، وصاحب أكبر سلسلة متاجر مجوهرات في العالم. لكن في لحظة ساخرة على خشبة المسرح، تحوّل هذا المجد إلى سقوط، بعد أن أطلق نكتة كلّفته إمبراطورية قيمتها مئات الملايين، في واحدة من أشهر الكوارث في تاريخ الأعمال البريطانية، والمعروفة اليوم باسم "تأثير راتنر". أُجبر راتنر على الاستقالة، وتكبد خسائر تقدر بـ500 مليون جنيه إسترليني، وعاش لسنوات على مضادات الاكتئاب، وظل طريح الفراش[8] .
إنّ الدين يؤكد على أن يستشعر الإنسان المسؤولية عند إطلاق أيّ كلمة، فهناك رصد إلهي لما يتلفظ به الإنسان، ويترتب عليه حساب وجزاء.
يقول تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾[سورة ق، الآية: 18].
صحيح أنّ التكلم عملية سهلة، لكنها جزء من أعمال الإنسان التي يُحاسب عليها.
ورد أنّ معاذ بن جبل قال لرسول الله
: يَا نَبِيَّ اللَّهِ؛ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ
: «وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ»[9] .
وورد عنه
: «أَلا هل عَسَى رجلٌ مِنكمْ أنْ يَتَكَلَّمَ بِالكَلِمَةِ يُضْحِكُ بِها القومَ؛ فَيَسْقُطُ بِها أَبْعَدَ مِنَ السَّماءِ»[10] .
وعنه
: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَدْنُو مِنَ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بيْنَهُ وَبيْنَهاَ قِيدُ ذِرَاعٍ، فَيَتَكَلَّمُ بالْكَلِمَةِ فَيَتَباعَدُ مِنْهَا أَبعَدَ مِنْ صَنْعَاءَ»[11] .
وورد عن أمير المؤمنين علي
: «رُبَّ كَلِمَةٍ سَلَبَتْ نِعْمَةً، وجَلَبَتْ نِقْمَةً»[12] .
خاصة ونحن نعيش في هذا العصر، ومع توفر وسائل نقل الكلام الملفوظ والمكتوب، فإنّ البعض يندفع للتحدّث والكلام بلا مسؤولية، ثم يدفع ثمنًا باهظًا، في الدنيا أو في الآخرة، أو في كليهما.
ولا ينفعه استخدام اسم مستعار، أو تغيير نبرات صوته عبر الذكاء الاصطناعي.
ورد أنّ أمير المؤمنين عليًّا
، مَرَّ بِرَجُلٍ يَتَكَلَّمُ بِفُضُولِ الْكَلَامِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا هَذَا، إِنَّكَ تُمْلِي عَلَى حَافِظَيْكَ كِتَابًا إِلَى رَبِّكَ، فَتَكَلَّمْ بِمَا يَعْنِيكَ، وَدَعْ مَا لَا يَعْنِيكَ»[13] .
وعنه
: «كَمْ مِنْ إِنْسَانٍ أَهْلَكَهُ لِسَانٌ»[14] .
ثانيًا: التفكير قبل الكلام
قد يجد الإنسان في نفسه دافعًا لقول كلام ما، لكن عليه قبل ذلك أن يرجع إلى عقله، ويُفكر فيما يريد قوله، فلا يطلق كلامه استجابة لهوى نفسي، أو انفعال عاطفي، فإنّ ذلك مما يوقع الإنسان في مهاوي الأخطار والمزالق، ثم يتندّم فلا ينفعه الندم.
ورد عن أمير المؤمنين
: «الْكَلَامُ فِي وَثَاقِكَ مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِه، فَإِذَا تَكَلَّمْتَ بِه صِرْتَ فِي وَثَاقِه»[15] .
وعنه
: «إِنَّ لِسَانَ الْمُؤْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِه، وإِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِه، لأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ تَدَبَّرَه فِي نَفْسِه، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا أَبْدَاه وإِنْ كَانَ شَرًّا وَارَاه، وإِنَّ الْمُنَافِقَ يَتَكَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلَى لِسَانِه، لَا يَدْرِي مَا ذَا لَه ومَا ذَا عَلَيْه»[16] .
وجاء عن الإمام علي الهادي
: «الْجَاهِلُ أَسِيرُ لِسَانِهِ»[17] .
وورد عن الإمام الحسن العسكري
: «قَلْبُ الْأَحْمَقِ فِي فَمِهِ، وَفَمُ الْحَكِيمِ فِي قَلْبِهِ»[18] .
والتفكير مطلوب قبل الكلام، ليس للتأكد من صحة الكلام قبل إطلاقه فقط، وإنما أيضًا لتقدير الموقف وتقويم الظرف، فقد يكون الكلام صحيحًا لكنّ التوقيت أو المقام غير مناسب لإطلاقه.
ورد عن أمير المؤمنين علي
: «لَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ، بَلْ لَا تَقُلْ كُلَّ مَا تَعْلَمُ»[19] .
وَقَدْ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُمْ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ: «مَا كُلُّ مَا يُعْلَمُ يُقَالُ، وَلاَ كُلُّ مَا يُقَالُ حَانَ وَقْتُهُ، وَلاَ كُلُّ مَا حَانَ وَقْتُهُ حَضَرَ أَهْلُهُ»[20] .
ثالثًا: اختيار القول الأحسن
على الإنسان في مقام تخاطبه مع الآخرين، أن يختار أفضل الكلمات وأحسن العبارات، وأن يبتعد عن اللغة الهابطة والأسلوب الركيك، ليكون كلامه أكثر قبولًا وتأثيرًا، وأبعد عن الإثارة والاستفزاز.
يقول تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾[سورة البقرة، الآية: 83].
ورد في تفسيرها عن الإمام محمد الباقر
: «قُولُوا لِلنَّاسِ أَحْسَنَ مَا تُحِبُّونَ أَنْ يُقَالَ لَكُمْ»[21] .
ويقول تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾[سورة الإسراء، الآية: 53].
وورد أنّ رَجُلًا أَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّةِ رَسُولِ اَللَّهِ
فَقَالَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ: أَيُّ اَلْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ
: «إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَإِطْيَابُ الْكَلاَمِ»[22] .
ورد عن أمير المؤمنين علي
: «إِيَّاكَ وَمُسْتَهْجَنَ الْكَلاَمِ فَإِنَّهُ يُوغِرُ الْقُلُوبَ»[23] .
وعنه
: «سُوءُ الْمَنْطِقِ يُزْرِي بِالْقَدَرِ، وَيُفْسِدُ الْأُخُوَّةَ»[24] .
وعنه
: «عَوِّدْ لِسَانَكَ حُسْنَ الْكَلاَمِ تَأْمَنِ الْمَلاَمَ»[25] .
وعنه
: «مَنْ عَذُبَ لِسَانُهُ كَثُرَ إِخْوَانُهُ»[26] .
وورد عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين
: «الْقَوْلُ الْحَسَنُ يُثْرِي الْمَالَ وَيُنْمِي الرِّزْقَ وَيُنْسِي فِي الْأَجَلِ وَيُحَبِّبُ إِلَى الْأَهْلِ وَيُدْخِلُ الْجَنَّةَ»[27] .
التحلّي بالحكمة
على الإنسان أن يتحلى بالحكمة في مجال نطقه وكلامه، فلا يطلق العنان للسانه وقلمه استجابة لرغبة جامحة وهوًى طائش، أو تحت تأثير انفعال عاطفي، فيؤدي به ذلك إلى ما يضرّ بمصالحه، أو يسخط ربه.
إنّ الإنسان يتحمّل مسؤولية كلّ كلمة يقولها، فعليه أن يحسب حساب ما يقول، وأن يفكر قبل أن يتكلم، وأن يراعي في كلامه حدود الله وحقوق عباده، فيقول قولًا سديدًا.
إنّ سلامة علاقات الإنسان مع من حوله تتأثر بلغة تخاطبه معهم، فعليه أن يختار أجمل العبارات وأحسن الكلمات في الحديث مع الآخرين.
مصادر الخطبة:
1. ابن أبي سلمى، زهير، ديوان زهير بن أبي سلمى، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1408هـ.
2. ابن حنبل، أحمد، مسند الإمام أحمد بن حنبل، عالم الكتب، بيروت، ط1، 1419هـ.
3. الألباني، محمد ناصر الدين، صحيح سنن الترمذي، مكتبة العارف للنشر والتوزيع، الرياض، ط1، 1420هـ.
4. الألباني، محمد ناصر الدين، صحيح الترغيب، المكتب الإسلامي، بيروت، ط1، 1982م.
5. الآمدي، عبدالواحد التميمي، غرر الحكم ودرر الكلم، دار الهادي للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1413ﻫ.
6. الحراني، الحسن بن عليّ بن شُعبة، تحف العقول، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط6، 1417هـ.
7. السيوطي، جلال الدين، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 2001م.
8. الشريف الرضي، نهج البلاغة، تحقيق الدكتور صبحي الصالح، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط1، 1967م.
9. الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي، الأمالي، مؤسسة البعثة، قم، ط1، 1417هـ.
10. الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ط2، 1413هـ.
11. المجلسي، الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، دار إحياء التراث، بيروت، ط2، 1403هـ.
12. موقع 24 الإلكتروني (https://24.ae/).






