صلة الرحم
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾[سورة الرعد، الآية: 21]
صلة الرحم واللقاء بين الأقرباء وأبناء العشيرة الواحدة، أمر أخلاقي وديني واضح الفائدة.
أولًا: هناك ثواب كثير في هذا الأمر، حيث توجد روايات عديدة على فضل صلة الرحم، وكل مؤمن يتطلع إلى ثواب الله، وثواب الله يكون عبر الطرق التي يقررها الله سبحانه وتعالى. وحيث أن الصوم والصلاة وسائر العبادات هي طرق لنيل ثواب الله تعالى، أيضًا صلة الرحم هي طريق قريب وسريع لنيل ثواب الله.
ورد عن الإمام جعفر الصادق
عن رسول الله
: «إِنَّ أَعْجَلَ الْخَيْرِ ثَوَاباً صِلَةُ الرَّحِمِ»[1] .
ثانيًا: صلة الرحم تترتب عليها فوائد حياتية للإنسان، حيث أن صلة الرحم تطيل العمر، وتزيد في الرزق، كما ورد في الحديث عن عبدالله بن مسعود عن رسول الله
: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»[2] .
وهذا المعنى مروي عن أكثر من معصوم، وهناك رواية عن الإمام جعفر الصادق
: «مَا نَعْلَمُ شَيْئاً يَزِيدُ فِي اَلْعُمُرِ إِلاَّ صِلَةَ اَلرَّحِمِ، حَتَّى إِنَّ اَلرَّجُلَ يَكُونُ أَجَلُهُ ثَلاَثَ سِنِينَ، فَيَكُونُ وَصُولاً لِلرَّحِمِ، فَيَزِيدُ اَللَّهُ فِي عُمُرِهِ ثَلاَثِينَ سَنَةً، فَيَجْعَلُهَا ثَلاَثاً وَثَلاَثِينَ سَنَةً»[3] .
ثالثًا: صلة الرحم لها أثر نفسي كبير، فحين يستحضر الإنسان أنه ينتمي لعائلة فيها شخصيات فاضلة، فإنه يتطلع لمواصلة مسيرتهم الطبيبة، وهذا يساعد على نشوء الأبناء في ظل صلة الرحم، وارتباطهم بالعائلة أكثر فأكثر.
رابعًا: تعزيز الموقف الاجتماعي للعائلة، باحترام المجتمع لهذه العائلة، حيث أن العائلة المتماسكة يحترمها المجتمع، ويحسب لها حسابًا، أما العائلة المتشتتة، فلا يكون لها مكانة في المجتمع، وفي السابق كانت العوائل محدودة من حيث الجغرافيا، وتقارب البيوت، ونجد بيت الأب يسكنه جميع أولاده مع عوائلهم، ومع التطور تفرقت الأسر، وانتشرت جغرافيًا، وساعد على هذا التفرق انشغالات الحياة، فيحتاج المجتمع في هذه المرحلة لتعزيز سنة صلة الرحم، و الالتقاء بين العوائل الواحدة بتشكيل مجالس عائلية، ولو لمجرد التلاقي والتعارف.
وفي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾[سورة الحجرات، الآية: 13] تأكيد على التعارف بين القبائل والشعوب المختلفة، فكيف بالعائلة الواحدة؟!
وفي بعض الأحيان يعزف الإنسان عن حضور اللقاءات العائلية، بخلًا بوقته أو ماله، وهنا نُذكّر بكلمة لأمير المؤمنين علي
: «مَنْ يَقْبِضْ يَدَه عَنْ عَشِيرَتِه، فَإِنَّمَا تُقْبَضُ مِنْه عَنْهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ، وتُقْبَضُ مِنْهُمْ عَنْه أَيْدٍ كَثِيرَةٌ»[4] .
وقد يكون سبب العزوف التأثر من مواقف قديمة مثل "ما حضر زواج ولدنا، ما حضر فاتحتنا، ما زارنا في مرضنا".
وإننا إذ نفخر بانتمائنا لهذه العائلة (الصفار) بأن فيها علماء أجلاء، وشخصيات كريمة، كالمرحوم الشيخ حسن الصفار، والشيخ رضي الصفار، وملا عبد علي الصفار، والحاج جعفر الصفار، والمعلم محمد صالح الصفار، رحمهم الله جميعًا، فإنه يمكننا إحياء الدور الاجتماعي لهذه العائلة بكفاءة أبنائنا.
ولا يهم في صلة الرحم اتفاق الآراء، فحتى لو اختلفت الآراء تجب صلة الرحم، فَعَنِ الْجَهْمِ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ [الإمام جعفر الصادق
] تَكُونُ لِيَ الْقَرَابَةُ عَلَى غَيْرِ أَمْرِي أَلَهُمْ عَلَيَّ حَقٌّ؟ قَالَ
: «نَعَمْ حَقُّ الرَّحِمِ لَا يَقْطَعُهُ شَيْءٌ»[5] .
حتى الكفر لا يقطع الرحم، وهذا شيء يقرره القرآن الكريم، حيث يقول تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾[سورة لقمان، الآية: 15]
وإن شاء الله تعالى يستمر هذا المجلس، فأسأل الله تبارك وتعالى، أن يوفقنا لمثل هذا العمل الطيب، وأن ينفعنا بصلة أرحامنا، وأن يوفقنا لما فيه الخير والصلاح، وأخيرًا نهدي ثواب الفاتحة على أرواح أسلافنا الماضين، وجميع المؤمنين والمؤمنات، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.






