نمو الحالة الدينية وتقدمها
بسم الله الرحمن الرحيم
رُوي أن رسول الله
كان جالسًا بين أصحابه، فقال: «وددت أنِّي لقيت إخواني»، فقال أصحاب النبي
: أو ليس نحن إخوانك؟ قال: «أنتم أصحابي، ولكن إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني» ويضيف
: «عمل الواحد منهم كخمسين». قالوا: منهم يا رسول الله أم مِنَّا؟ قال: «بل منكم لأنكم تجدون على الخير أعواناً، وهم لا يجدون على الخير أعواناً»[1] .
تتجلّى رؤيتان لمسيرة التدين والإيمان: رؤيةٌ تعتبر أن الإيمان في أوجه وأعلى مستوياته كان في صدر الإسلام، ثم بدأت حالة التراجع، وهذه نظرة "تنازلية"؛ تستند إلى وجود النبي
والمعصومين عليهم السلام كعامل تميّز لا يمكن تكراره. ولذلك روي عن رسول الله
قوله: «خَيرُكُم قَرني، ثُمَّ الذينَ يَلونَهم، ثُمَّ الذينَ يَلونَهم»[2] .
هذه الرؤية نجدها عند كثير من علماء أهل السنّة، حيث يرون أن أفضلية الزمان مرهونة بقربه من عصر الرسالة.
لكننا حين نقرأ بعض النصوص الواردة عن أهل البيت عليهم السلام، نجد نظرة تصاعدية، ترى أن الإيمان والتدين في حال صعودٍ ونموّ، وأن كل جيلٍ يمكن أن يكون أرقى في مستوى الوعي واليقين من سابقه، رغم افتقاده للمعصوم حضورًا.
نعم، هناك ظروف استثنائية ميّزت صدر الإسلام، كوجود النبي والمعصومين، ولكن ليس معنى ذلك أن القمم الروحية والمعرفية لا تُبلَغ في العصور المتأخرة.
فالذي يتدبر النصوص ويدرس الواقع التاريخي، يجد أن مسيرة التدين مسيرة تصاعدية، وأننا في هذا الزمن من الناحية الإيمانية والوجدانية، أقرب إلى النضج والوعي، مقارنةً بكثير من الأزمنة الماضية.
رغم أن طبيعة الإنسان تميل إلى الحنين للماضي، حتى على المستوى الشخصي؛ فالمرء قد يحنّ لقريته الأولى أو منزله القديم، كما قال الشاعر:
كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدًا لأولِ منزلِ
لكن ذلك الحنين لا يعني بالضرورة أن الماضي كان الأفضل من حيث الحقيقة والجوهر.
الإنسان حين يعيش في بيت أهله، يترسّخ في داخله حنينٌ عميق إلى ذلك المكان. فحتى بعد أن ينتقل إلى بيتٍ أوسع أو أفضل، يبقى حنينه إلى البيت الذي نشأ فيه، لأنه احتوى لحظات تكوينه الأولى.
وهذا ما نلمسه أيضًا في السياق الاجتماعي، إذ كثيرًا ما نسمع الناس يتحدّثون عن "زمن الطيبين"، وكأن الزمن الماضي كان أكثر طيبة ونقاء من الحاضر. بل تُستعمل هذه العبارة في الصحافة والبرامج الشعبية: "زمن الطيبين"، وكأننا اليوم نعيش في زمن يفتقد أهله الطيب والصلاح.
لكن الحقيقة أن الناس اليوم، في كثير من الجوانب، أطيب من السابق، وأكثر وعيًا ونضجًا. وقد نجد هذه المعادلة حتى في تفاصيل حياتنا الدينية، فمثلًا بعض الحسينيات القديمة كانت تُسمى "حسينية العودة" أي الكبيرة جدًا، بينما الحسينيات الجديدة أكبر وأكثر تجهيزًا، لكنها لا تثير نفس المشاعر.
وقد نرى اليوم مجالس العزاء أكثر تنظيمًا، والمساجد أكثر عددًا، والحضور أكثر وعيًا. الإنسان حين يتذكّر الماضي، قد يتأثر بالجانب العاطفي، فيحنّ إلى البيوت الضيقة والمجالس البسيطة، لكنه حين يتأمّل بعين الواقع، يُدرك أن الكثير من مظاهر التدين اليوم أرقى وأوعى.
وهذا الشعور موجود في أغلب الناس، ويدفعهم لتمجيد الماضي، لكنه في كثير من الأحيان ليس نظرة واقعية.
والأمر ذاته نجده في النظرة إلى العلماء. البعض يظن أن الفقهاء السابقين أفضل من فقهاء اليوم، فقط لأنهم "الأوّلون". ولا ينكر فضلهم ومكانتهم، لكن علماء اليوم يمتلكون تجارب متراكمة، ومعارف حديثة، ووسائل أوسع، تجعلهم أقدر على معالجة القضايا المعاصرة.
كذلك الحال في النظر إلى حالة التدين، كثير من الناس اليوم يتدينون عن معرفة ووعي، بينما آباؤنا وأجدادنا تدينوا بفطرتهم وسليقتهم. وهذا لا ينقص من قدرهم، لكنه يؤكد أن الوعي الإيماني في ازدياد، وأن التدين أصبح اليوم أكثر علمية وفهمًا.
أتذكّر مرحلة نشأتي، كانت المساجد محدودة، وغالب المجالس الدينية تقام في حسينيات صغيرة. أما اليوم، نرى المساجد الكثيرة المنتشرة، والموكب الحسينية، والبث التلفزيوني لمجالس العزاء، والحضور الكثيف من الشباب.
كل ذلك يدل على أن الحالة الدينية في عصرنا ليست متراجعة، بل في كثير من جوانبها أكثر حيوية ونموًّا.
بل إن الحوزات العلمية، في النجف، وكربلاء، ومشهد، وقم، وغيرها، تشهد اليوم إقبالًا واسعًا، بعد أن كانت مقتصرة على عدد أقل.
في الماضي، لم يكن يذهب إلى الحوزة إلا القليل، وبعض الأسر لم تكن تسمح بذلك لأبنائها، بل تعتبره خيارًا غير مضمون النجاح. أما اليوم، فقد أصبح طلب العلم الديني خيارًا واعيًا واعدًا، والكثير من الشباب يدخلونه عن قناعة وبصيرة.
وأصبحت الحوزات الدينية أكثر انتشارًا، والعلماء أكثر حضورًا في مختلف البلدان والمناطق.
قد يلفت البعض النظر إلى مظاهر الانحرافات الفكرية، أو ظهور الإلحاد، أو التراجع الأخلاقي هنا وهناك، لكن هذه الظواهر لم تكن غائبة حتى في زمن النبي صلى الله عليه وآله، ولا في عصر الأئمة عليهم السلام. كان هناك من يحيد عن طريق الحق، ومن يعارض، ومن ينحرف، فهذه سنة الحياة.
لكن المشكلة أن هناك من يُضخّم الأخبار السلبية بقصد أو بغير قصد، لتقليل قيمة الحالة الإيمانية المتقدمة في مجتمعاتنا. ونحن لا نقصد بهذه الكلمات أن ننام على "حرير الغفلة"، أو أن نتجاهل مكامن الضعف والثغرات، فهناك نواقص بالتأكيد، لكن الحال العام أفضل من ذي قبل.
ألسنا نرى الملايين يقصدون كربلاء في الأربعين، عامًا بعد عام، بأعدادٍ متزايدة؟
صحيح أن بعضهم ليس ملتزمًا التزامًا كاملاً، لكن الحديث هنا عن الظاهرة العامة، والحراك الديني الواسع، والروح الإيمانية الحيّة.
والتقصير منّا إن لم نحسن استثمار هذه الروح. فالناس فيهم استعداد، وقابلية وعي، وفيهم توجّه ديني حقيقي، ينبغي أن نحتضنه ونرعاه.
في العام الماضي فقط، بلغ عدد المعتمرين في المملكة العربية السعودية أكثر من 37 مليون معتمر، والعدد في تزايد سنوي. أليس هذا مؤشرًا حيًا على الدافع الديني؟ أليس في هذا برهان على الروح الإيمانية المتجددة في الأمة؟
من المؤسف أن البعض يُركّز فقط على السلبيات، وكأن الحالة الدينية منهارة! وهذا غير صحيح. الحالة الدينية، بحمد الله، في ازدهارٍ وتقدّم، حتى بالمقارنة مع الأديان الأخرى.
ففي إحصائية حديثة قرأتها من معهد فرنسي متخصص، وُجد أن الذين يذهبون إلى الكنيسة في فرنسا لا تتجاوز نسبتهم (4.5%) فقط من مجموع المسيحيين هناك!
وفي ألمانيا، تم إغلاق (515) كنيسة خلال السنوات العشر الأخيرة.
وفي بريطانيا، كثيرٌ من الكنائس تُباع وتتحوَّل إلى مساجد.
إذن، فالمشهد الإيماني في عالمنا الإسلامي - والحمد لله - حيّ ومتقدّم ومبشّر بالخير.
وهذه اللقاءات المباركة، وهذه اللقاءات، هي من مظاهر هذه الحالة الطيبة.
وخصوصًا في مجتمعاتنا، أعرف كثيرين ممن عاشوا في المهجر، يذكرون أن الشيء الذي يفتقدونه هو هذه الأجواء الإيمانية الحميمة، والروح الجماعية التي في مجتمعاتنا.
بل إن بعض المناطق في المهجر، رغم وجود المساجد، لا تحظى بهذا الزخم الروحي الاجتماعي الذي نعيشه. فالحياة هناك غالبًا مفككة، والعلاقات محدودة، والروح الجماعية ضعيفة، بعكس هذه النعم التي نعيشها في بلادنا.
فنشكر الله على هذه النعم، ونسأله أن يديمها علينا، وأن يجعل أبناءنا وبناتنا امتدادًا لهذه الحالة الإيمانية المباركة. كما قال تعالى: ﴿ربنا هب لنا من أزواجنا وذريّاتنا قرّة أعين، واجعلنا للمتقين إمامًا﴾[سورة الفرقان، الآية: 74]
وفي الختام، أتوجه بالشكر الجزيل للحاج الكريم، الحاج حسين الحاجي، على إتاحة هذه الفرصة الطيبة، وعلى جهوده المباركة في جمع هذه الوجوه المشرقة بالإيمان.
ونسأل الله أن يجزيه خير الجزاء، فهو من أهل الخير، يحب الخير، ويجمع أهل الخير.







