الشباب وتحديات الالتزام الديني

بسم الله الرحمن الرحيم

في كل عصرٍ من العصور، وفي كل مرحلةٍ من مراحل حياة الإنسان، تواجهه تحدياتٌ متجددة في التزامه بقيم الدين ومفاهيمه. وتنبع هذه التحديات أحيانًا من داخل الإنسان نفسه، إذ شاءت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يعيش الإنسان صراعًا داخليًا دائمًا بين الخير والشر، كما قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا[سورة الشمس، الآيتان: 7-8]

فثمة جانب في داخل الإنسان يتفاعل مع نزعة الخير، في فطرته، ووجدانه، وعقله، إلا أن هناك في المقابل نزعةً أخرى تفعه إلى الشر هي: نزعة الهوى والشهوات.

وهذا الصراع الداخلي يشكّل تحديًا كبيرًا في حياة الإنسان، يضغط على نفسه وسلوكه، ويُضعف إرادته إن لم يكن متسلّحًا بإيمانٍ راسخ ووعيٍ عميق.

وقد أشار المفسرون إلى أن قول الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا[سورة النساء، الآية: 28]
يعني ضعف الإنسان أمام أهوائه وشهواته، رغم ما منحه الله من قدرات وقوى عظيمة.

وخاصة في مرحلة الشباب، فإن وطأة هذا الصراع تشتد؛ إذ تكون العواطف والأحاسيس في ذروتها، وتبلغ القدرات الجسدية والشهوانية أوجها. وهنا يصبح الالتزام الديني في هذه المرحلة بالذات أكثر صعوبة، وأكثر عرضة للتحديات.

وفي عصرنا الراهن، بلغ هذا التحدي ذروته، حيث تحوّلت الأهواء والشهوات إلى تيارات جارفة، وإلى قوى عالمية نافذة، تتعمّد استثارة الغرائز وتغذية النزعات الشهوانية، لتشكّل معتركًا مرهقًا لأبنائنا وبناتنا في هذا الزمن.

من هنا، علينا أن نتفهّم هذا الظرف الدقيق الذي يمر به شبابنا، ونعينهم على اجتياز هذا المعترك بوعي وثقة وقوة إرادة.

ونقرأ في بعض الأحاديث أن رسول الله كان جالسًا بين أصحابه، فقال: «وددت أنِّي لقيت إخواني»، فقال أصحاب النبي : أو ليس نحن إخوانك؟ قال: «أنتم أصحابي، ولكن إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني» ويضيف : «عمل الواحد منهم كخمسين». قالوا: منهم يا رسول الله أم مِنَّا؟ قال: «بل منكم؛ لأنكم تجدون على الخير أعواناً، وهم لا يجدون على الخير أعواناً»[1] .

ونحن حين نقارن بين الظروف التي نشأنا فيها كجيلٍ متقدّم في السن، وبين ما يعيشه أبناؤنا اليوم، ندرك أن الفارق شاسع وكبير، الضغوط اليوم أشدّ، والتحديات أوسع، والمؤثرات أعتى.

كلنا نتمنى أن نرى أبناءنا في طريق الدين والخير، وكلنا نردد الدعاء القرآني: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ[سورة الفرقان، الآية: 74]، لكن الأمنيات وحدها لا تكفي.

علينا أن نسأل أنفسنا: كيف نوفر لهم أجواء الصلاح؟

كيف نعينهم على الثبات؟

كيف نكون حاضرين معهم لا عليهم؟

أولاً: المزيد من الانفتاح والاقتراب

ينبغي أن نقضي معهم وقتًا أطول، نُصغي إليهم، نحاورهم، نفهمهم، نحتويهم.
وقد ورد عن النبي : «جُلُوسُ الْمَرْءِ عِنْدَ عِيَالِهِ‌ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنِ اعْتِكَافٍ فِي مَسْجِدِي هَذَا»[2] . فلنُدرك أهمية هذا الجلوس، لا كروتين منزلي، بل كقيمة تربوية تُنقذ أجيالًا.

ثانياً: بناء المؤسسات الشبابية

يحتاج الشباب إلى منصات يُعبّرون فيها عن أنفسهم، إلى مؤسسات ترعى مواهبهم، وتستثمر قدراتهم. ليس كافيًا أن نطلب منهم الالتزام، ونحن لا نوفر لهم المساحة الآمنة للانتماء.

ثالثًا: تقديم النسخة الميسّرة من الدين

من الخطأ أن نفرض على الشباب نسخة واحدة مشددة من الدين، متجاهلين أن في الدين سعة واختلافًا مشروعًا بين الفقهاء.

طالما أن هناك آراء فقهية معتبرة، تُيسّر ولا تُعسّر، فلماذا لا نُعرضها لهم؟
لماذا نُلزمهم بالأشد، ونمنعهم من التيسير الشرعي الذي أتاحه الله لعباده؟

مثال ذلك: قاعدة حليّة ما في سوق المسلمين، التي تُشير إلى أن الطعام المعروض في أسواق المسلمين محكوم بالحلية ما لم يُعلم خلافه. لكن هناك من يُلزم بالتدقيق والاحتياط الزائد دون موجب شرعي واضح، فيُرهق النفس، ويزرع الوسواس.

وقد أشار السيد السيستاني (دام ظله) إلى أنه: (يحق للمسلم شراء اللحوم المحلّلة بأنواعها المختلفة من بائع اللحوم المسلم أيًا كان مذهبه الفقهي إذا كان يبيعها على المسلمين، فيحكم بحلية ذلك الحمه)[3] .

فالهدف من التشريع ليس التعقيد ولا التنفير، بل إعطاء مساحة للحياة، ضمن الضوابط. حتى في مسألة ستر الوجه للمرأة، نجد آراء معتبرة تقول بجواز كشف الوجه والكفين.
فلماذا نُلزم فتياتنا بالأشد دائمًا، ونحرمهن من خيارات مشروعة تيسّر حياتهن؟

رابعا: استيعاب أخطاء الأبناء لا طردهم

من حقنا ألا نرضى بالخطأ، لكن ليس من حقنا أن نقسو على المخطئ.
إنكار المنكر يجب أن يكون بالحكمة والموعظة الحسنة، لا بالغضب والتهديد.

أمير المؤمنين يقول: «يَنْبَغِي لأَهْلِ الْعِصْمَةِ والْمَصْنُوعِ إِلَيْهِمْ[4]  فِي السَّلَامَةِ، أَنْ يَرْحَمُوا أَهْلَ الذُّنُوبِ والْمَعْصِيَةِ»[5] .

وسُئل الإمام الكاظم عن مذنب من الشيعة: هل نتبرأ منه؟
فقال : «بَرَّأو مِن فِعلِهِ ولا تَبَرَّؤوا مِنهُ، أحِبّوهُ وأَبغِضوا عَمَلَهُ»[6] .

إنّ في ديننا من الرحمة ما يفتح الأبواب لكل عائد وتائب، وفي حديث النبي : «لَا تَكُونُوا عَوْنًا لِلشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ»[7] .

خامساً: عدم إسقاط كرامة المذنب

حتى المذنب له حقوق: فلا يجوز التجسس عليه، ولا يجوز اغتيابه إن لم يجاهر بذنبه، ولا يجوز تعييره بذنب، ولا يجوز طرده أو عزله. وفي الحديث: «مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ، لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ»[8] .

فنحن لا نُدين، بل نحتضن، ولا نرفض، بل نُعالج، ولا نُقصي، بل نُساند.

كم من شاب أو فتاة أخطأ، لكنه لا يجرؤ أن يُصارح والديه، خوفًا من العقاب أو الفضيحة. وهذا خلل في المنهج التربوي، وليس في الشاب نفسه.

وفي رسالة الحقوق يقول الإمام زين العابدين : «وأمّا حَقُّ الصَّغِيرِ: فَرَحْمتُهُ، وتَثقِيفُهُ، وتَعْلِيمُهُ، وَالعَفْوُ عَنْهُ، وَالسِّترُ عَلَـيهِ، وَالرِّفْقُ بهِ، وَالمَعُونَةُ لـَهُ»[9] .

والمقصود ليس فقط الصغير سنًا، بل الشاب اليافع في عنفوان تجربته.

فلنكن لهم عونًا لا عبئًا، وسترًا لا فضيحة، وصوت هداية لا سوط إدانة.

اللهم وفّقنا أن نكون أُمناء في نقل الإيمان والخير إلى أبنائنا،
اللهم أسعدنا بصلاحهم، وثبّتنا وإياهم على طريق الحق يا رب العالمين.

 

في حسينية دار الزهراء بدولة الكويتفي حسينية دار الزهراء بدولة الكويت

محاضرة سماحة الشيخ حسن الصفار في حسينية دار الزهراء بالكويت، مساء الأربعاء، 20 جمادى الأولى 1447هـ الموافق 12 نوفمبر 2025م.

[1]  الشيخ محمد متولي الشعراوي، خواطري حول القرآن الكريم، ج8، ص632، تفسير سورة التوبة، الآية: 100. ومثله في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ج16، ص501.
[2]  تنبيه الخواطر ونزهة النواظر (مجموعة ورّام)، ج2، ص129.
[3]  فقه المغتربين، ص151، مسألة: 159.
[4]  الذين أنعم الله عليهم وأحسن صنعه إليهم بالسلامة من الآثام.
[5]  نهج البلاغة، من كلام له في النهي عن غيبة الناس، رقم: 140.
[6]  بحار الأنوار، ج65، ص148.
[7]  الألباني، صحيح الجامع، ح7442.
[8]  سنن الترمذي، ح2505.
[9]  صحيفة زين العابدين الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، ملحق رسالة الحقوق.