حين تسمع المدح والإطراء
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ الأنبياءِ والمرسلين نبينا محمد بن عبدالله وعلى آلهِ الطيّبين الطاهرين.
أجدُ نفسي أمامَ مشهدٍ فيه طرفان؛ طرفٌ يتجلّى فيه الإحسانُ، بما يُبدي من حسنِ ظنٍّ وثناءٍ ومديح، أرجو أن يُثيبهم اللهُ سبحانه وتعالى على حسنِ ظنّهم وعلى ثنائهم.
أمّا الطرفُ الآخر، فهو ما أجدُه في نفسي من عدم اللياقة لهذا المدحِ والثناءِ والإطراءِ، وهنا لا بُدَّ لي أن أتمثّل بما ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه"، حينما مدحَه قومٌ فاتجه إلى اللهِ سبحانه وتعالى قائلًا: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَعْلَمُ بِي مِنْ نَفْسِي، وأَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْهُمْ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا خَيْرًا مِمَّا يَظُنُّونَ وَاغْفِرْ لَنَا مَا لَا يَعْلَمُونَ»[1] .
إذا كان حسنُ ظنِّ الإنسانِ بأخيه فيه الأجرُ والمثوبة، وإذا كان ثناؤه وامتداحُه لأخيه فيه أجرٌ عظيمٌ عند اللهِ سبحانه وتعالى، ما دام المدحُ لا ينطلق من تملّقٍ ولا تزَلُّف، فإنَّ الممدوحَ يكون في موقفٍ آخر، غيرِ موقفِ المادح؛ فالمادحُ له الأجرُ والثواب، غير أنّ الممدوحَ تُحيطُ بنفسه الأخطار.
من هنا وردت النصوصُ والأحاديثُ التي تُحذِّر الإنسانَ حينما ينهال عليه المدحُ والثناءُ، بأن لا يدفعَه ذلك إلى الافتتان بنفسه؛ عليه أن يعرفَ أنّ مادحيه رأَوا جانبًا منه، ولم يرَوا الأخطاءَ والثغراتِ والذنوبَ التي سترَها اللهُ تعالى عليه.
وكلمةُ أميرِ المؤمنين علي
، وإن كانت في صيغةِ دعاءٍ، إلّا أنها كسائرِ الأدعية الواردة عن أهلِ بيتِ الحكمة والرحمة، مليئةٌ بالمعاني والقيمِ التي يجب أن يتفحّصها الإنسان، إنّها تُرجِعُ الإنسانَ الممدوحَ إلى ربّه وإلى ذاته: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَعْلَمُ بِي مِنْ نَفْسِي».
قد يَفتتنُ الإنسانُ بنفسه، وقد تخفى عليه بعضُ نقاطِ ضعفه، ولكنّ اللهَ يعلَمُ خائنةَ الأعينِ وما تُخفِي الصدور.
إنّ على الإنسان حينما يكون في مثلِ هذا الموقف، أن يفكّر في البعدِ الآخر: هذا كلامُ الناس عنه، فماذا عن الله؟ هل حرصت، وهل سعيتَ لرضا اللهِ عنك؟ هذا هو ما يُنجيك ويَفيدك يوم القيامة؛ حيث لا يَنفعُ الإنسانَ مدحُ المادحين، ولا ثناءُ المثنين عليه، وإنّما يَنفعه إخلاصُه وعملُه ورضا اللهِ وعفوُه.
اللهمَّ اجعلنا من المُخلِصين لكَ، والعاملين من أجلِك، اللهمَّ أفضْ علينا عفوَك ورحمتَك وسترك.
وعلى الممدوح أن يدرِك نقاطَ الضعف في ذاته ونفسه، فإنّها قد تخفى على الآخرين، ولكن كما يقول تعالى: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾ [سورة القيامة، الآيتان: 14-15]، عليه ألّا يدفعَه المدحُ والثناءُ إلى الشعور بالاكتفاء والإشباع الوهمي الكاذب، وهذا ما تُشير إليه كلماتُ أميرِ المؤمنين
: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا خَيْراً مِمَّا يَظُنُّونَ».
إذا كان الناس يَظُنّون بك خيرًا، فعليك أن تتحفّز بهذا الظنّ الحسن، لتبلغ ذلك الخير الذي ظنّوه فيك، بل وتتفوق على ما ظنّوه فيك؛ فالكلمة ليست مجرّد دعاء، وإنما هي برنامجُ عملٍ ينبغي أن يلتزم به مَن يُشاد بفضله.
فلا تُصَدِّق كلَّ ما يقوله الناس من مدحٍ وثناء؛ فقد يكون نابعًا من حسن ظنّ، ويبقى عليك واجبُك ومسؤوليتك تجاه نفسك وتجاه الآخرين.
ثم يقول
: «وَاغْفِرْ لَنَا مَا لَا يَعْلَمُونَ»، فحين يسمع الإنسانُ مدحَ الآخرين، ينبغي أن يسعى إلى سدّ ثغراته ونقاط ضعفه في شخصيّته ومسيرته؛ لأنه مقبلٌ على يومٍ تُكشَف فيه السرائرُ وتُعرَف الحقائق، ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [سورة الطارق، الآيتان 9-10]. فلْيَسألْ نفسَه: أيكون من الناجين أو من الهالكين؟ اللهمّ اجعلنا من الناجين، وأنقِذْنا من هوّة السقوط في ذلك اليوم الرهيب.
وفي الختام، خالص الشكر والامتنان لكم جميعًا، ولسيّدنا الجليل النبيل السيّد هاشم الشخص (أبي ياسر) وأخيه الفاضل الدكتور السيّد عدنان الشخص (أبي فراس)، ولمن تفضّلوا بالمشاركة شعرًا ونثرًا، وغمروني بلطفهم: الأديب الأستاذ جاسم المشرف، والشاعر الأستاذ فريد النمر، والشاعر الأستاذ أحمد اللويم، والشاعر محمود المؤمن. أشكرهم من أعماق قلبي على حسن ظنّهم، وأشكر كلّ الحاضرين.
ولا بُدّ أن أشير إلى حقيقة مهمة، هي أنّ الناس حين يرون إنجازًا ينسبونه غالبًا إلى شخص المُنجِز، والحقيقةُ أن المُنجِز، أيًّا كان، لا يستطيع أن يُنجز لولا وجودُ بيئةٍ تُعينه على الإنجاز.
إنني فخورٌ بمجتمعي، الذي أحاطني بعنايته ورعايته، وأغرقني بتشجيعه منذ بدايات نشاطي الديني والثقافي، ولولا ذلك لما استطعت تقديم هذا القليل من العمل المتواضع.
كذلك، لا يحقّق المُنجِز شيئًا يُذكَر ما لم يسانده أبناءُ مجتمعه؛ يقفون معه في التحديات، ويشدّون عَضُدَه، ويساعدونه على أداء المهامّ.
وأحمدُ الله تعالى أن رزقني إخوةً صادقين صالحين في كلّ المراحل؛ ولولا وقوفهم ودعمهم ومشاركتهم، لما تحقق توفيق الله في أيّ عمل أنعم الله عليَّ بالقيام به.
أسأل اللهَ أن يجزيهم وأبناءَ مجتمعي خير الجزاء، وأن يجعل لهم النصيبَ الأوفى من الأجر والثواب على إخلاصهم في دعمهم وتشجيعهم.
أكتفي بهذا القدر من الحديث، وأعتذر إليكم جميعًا، متوجّهًا بالحمد لله ربّ العالمين الذي يُفيض علينا نعمه، ومنها ثناء الطيّبين، كما ورد في الدعاء: «وَكَمْ مِنْ ثَناءٍ جَمِيلٍ لَسْتُ أَهْلًا لَهُ نَشَرْتَهُ».
فلله تعالى الحمدُ والشكر، ولَكم جميعًا جزيلُ الامتنان، والحمدُ لله ربّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على نبينا محمد وآله الطاهرين.









