اليوم العالمي لسلامة المرضى

 

عَنْ أُسَامَةَ بْنَ شَرِيكٍ عَنْ رَسُولَ اللَّهِ : «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى، لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ، الْهَرَمُ»[1] .

لا يكاد يسلم إنسان في هذه الحياة من الإصابة بشيء من الأمراض التي تتعدد وتتنوع، وتصيب مختلف أعضاء الجسم وأجهزته، وتتفاوت في شدتها ومدتها.

ورد عن أمير المؤمنين علي : «لَيْسَ لِلْأَجْسَامِ نَجَاةٌ مِنَ الْأَسْقَامِ»[2] .

لا ينجو من الأمراض حتى الرسل والأنبياء، وحتى الأطباء وهم من يعالجون أمراض الناس.

إنّ طبيعة جسم الإنسان تجعله عرضة للعلل والأسقام، فهناك أمراض وراثية تولد معه، وأمراض تنتج عن الحوادث التي يتعرض لها، وأمراض تأتي عن طريق العدوى عبر الميكروبات والجراثيم، وأمراض تحدث نتيجة خلل في السلوك الغذائي والصحي، إضافة إلى أسباب أخرى.

إنّ المرض ألمٌ ينغّص حياة الإنسان، ويعوّق حركته، ويسلبه الراحة.

ورد عن أمير المؤمنين علي : «بِالْعَافِيَةِ تُوجَدُ لَذَّةُ اَلْحَيَاةِ»[3] .

الوجه الآخر للمرض

وعلى الرغم من هذا الوجه الكريه للمرض عند الإنسان، إلّا أنّ هناك وجهًا آخر إيجابيًا للمرض في الحياة الإنسانية، فهو يؤدي إلى نتائج مهمة تخدم مصلحة الإنسان وتطور الحياة.

أولًا: المرض هو المحفز الأساس للإنسان للتعرف على نظام جسمه وطريقة عمل أجهزته وأعضائه، وهذا ما قاد إلى تعميق الأبحاث في تشريح جسم الإنسان حتى وصلت إلى مستوى قراءة شيفرات جيناته الوراثية، والدخول على خط هندستها وتشكلها، وأدى إلى هذا التطور الطبي الهائل المتصاعد.

ثانيًا: كما دفع المرض الإنسان إلى تكثيف دراسته للطبيعة التي يعيش في أحضانها، من جماد ونبات وحيوان، ومختلف مكونات البيئة وظروفها، سعيًا لاكتشاف سبل الوقاية من الأمراض والتمكن من علاجها.

ثالثًا: للمرض دور في تكامل الإنسان الروحي والنفسي، حيث يدرك ضعفه أمام القدرة والسنن الإلهية التي تدير الوجود، فلا يسيطر عليه الغرور والطغيان.

جاء عن الإمام محمد الباقر عن رسول الله : «لَوْ لَا ثَلَاثٌ فِي ابْنِ آدَمَ مَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ شَيْ‌ءٌ، الْمَرَضُ وَالْفَقْرُ وَالْمَوْتُ، كُلُّهُمْ فِيهِ، وَإِنَّهُ مَعَهُنَّ لَوَثَّابٌ»[4] .

وبالمرض يستشعر الإنسان قيمة العافية ليشكر الله عليها ويحافظ عليها. انطلاقًا من مسؤوليته عن حماية نفسه.

ورد عن الإمام جعفر الصادق : «الْعَافِيَةُ نِعْمَةٌ خَفِيَّةٌ، إِذَا وُجِدَتْ نُسِيَتْ، وَإِذَا فُقِدَتْ ذُكِرَتْ‌»[5] .

الصحة واجب ومسؤولية

إنّ على الإنسان عقلًا وشرعًا أن يسعى لوقاية نفسه من الأمراض، فالوقاية خير من العلاج، وإذا ما أصابه المرض عليه أن يسعى للعلاج، ولا ينبغي له أن يهمل نفسه، أو يتساهل في طلب الدواء والعلاج، أو يعتمد على الخرافات، أو يسيء فهم دور الغيب، فيتوقع الشفاء دون الأخذ بالأسباب والوسائل الطبيعية للعلاج.

لذلك جاءت النصوص الدينية لتوجيه الإنسان إلى هذه الحقيقة، كحديث أُسَامَةَ بْنَ شَرِيكٍ عَنْ رَسُولَ اللَّهِ : «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى، لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ، الْهَرَمُ»[6] .

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْهُ : «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً أَوْ لَمْ يَخْلُقْ دَاءً إِلا وَقَدْ أنزل أَوْ خَلَقَ لَهُ دَوَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، إِلا السَّامَ»، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا السَّامُ ؟، قَالَ : «الْمَوْتُ»[7] .

وورد عن الإمام جعفر الصادق : «إِنَّ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَرِضَ، فَقَالَ: لاَ أَتَدَاوَى حَتَّى يَكُونَ الَّذِي أَمْرَضَنِي هُوَ الَّذِي يَشْفِينِي، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: لاَ أَشْفِيكَ حَتَّى تَتَدَاوَى، فَإِنَّ اَلشِّفَاءَ مِنِّي»[8] .

الوعي الصحي للمريض والأسرة

لا تزال المجتمعات الإنسانية في حاجة إلى التذكير بأهمية الوعي الصحي، وضرورة الاهتمام بمتابعة علاج الأمراض، لذلك خصصت منظمة الصحة العالمية يوم 17 سبتمبر من كلّ عام ليكون اليوم العالمي لسلامة المرضى، لتعزيز الوعي الاجتماعي، والتعاون بين المرضى والعاملين الصحيين، وقادة الرعاية الصحية، ومشاركة المرضى وأسرهم، من أجل تحسين سلامة المرضى.

لقد كشفت التقارير الدولية أنّ عددًا من المرضى يتعرضون للضرّ والأذى بسبب الرعاية الصحية غير المأمونة. وتزداد أهمية سلامة الرعاية لدى المصابين بأمراض طويلة الأمد، كمرض السكري أو الكوليسترول أو الضغط وأمراض الدم الوراثية (السكلسل)، وأمراض القلب والسرطان، وسائر الأمراض المزمنة، وتداعيات كبر السن. فإنهم بحاجة إلى رعاية واهتمام ذاتي وأسري ومجتمعي، للالتزام بالخطة العلاجية والمراقبة المستمرة للاستفادة من العلاج، ومنع حصول الانتكاسات وتطور المرض.

من أجل سلامة المرضى

ومما يجب الاهتمام به، من أجل سلامة المريض، حسب توصيات المختصين:

1. الالتزام بالأدوية بجرعاتها المحددة وفي أوقاتها المعينة، وكذلك الالتزام بمواعيد المراجعة الطبية.

2. التقيّد بالإجراءات الوقائية، وعدم التساهل بها.

3. التطوير المستمر في مؤسسات الرعاية الصحية، بتوفير الأدوية ومواكبة التطور فيها وتيسير مواعيد المراجعة، ولا بُدّ أن نشيد ببرنامج العيادة المنزلية المعتمد من قبل وزارة الصحة في بلادنا.

وقد كشفت وزارة الصحة عن وصول عدد المستفيدين من الرعاية المنزلية إلى أكثر من 58 ألف حالة نشطة خلال العام 2025م، بينما تجاوز إجمالي المستفيدين منذ إطلاق الخدمة 71 ألف شخص، حيث يتم تقديم هذه الخدمات عبر 244 قسمًا للرعاية المنزلية تضم أكثر من 2700 موظف متخصص[9] .

4. تعزيز الوعي لدى المريض وأسرته ومحيطه الاجتماعي.

أمراض تهدد الأوطان

ولأننا نستقبل مناسبة اليوم الوطني في بلادنا العزيزة، من المناسب أن نشير إلى أهمية الوعي بالأمراض التي تهدد مصالح الأوطان ومستقبلها، ومن أسوئها مرض النزاع والشقاق، وقد رأينا ما ابتليت به أوطان أخرى من الفتن والانقسامات والنزاعات، مما سلبها الأمن وتبددت ثرواتها، وأعطت الفرصة لتكريس نفوذ الطامعين في بلدانهم، إنّ الأمن هو النعمة الكبرى ولا يتحقق إلا بالوحدة والتماسك الوطني.

نسأل الله أن يديم على وطننا نعمة الأمن والأمان والاستقرار والازدهار وأن يحفظه من كلّ مكروه، وأن يوفق قيادة الوطن لحمايته والدفاع عن مصالحه وتحقيق تطلعات مواطنيه.

﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ[سورة البقرة، الآية: 126].

مصادر الخطبة:
  1. الألباني، محمد ناصر الدين، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها، الدار السلفية، الكويت، ط1، 1403هـ.
  2. الألباني، محمد ناصر الدين، صحيح الجامع الصغير وزيادته، المكتب الإسلامي، بيروت، ط3، 1408هـ.
  3. الآمدي، عبدالواحد التميمي، غرر الحكم ودرر الكلم، دار الهادي للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1413ﻫ.
  4. الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي، الخصال، مركز أهل الذكر، قم، ط1، 2018م.
  5. الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ط2، 1413هـ.
  6. المجلسي، الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، دار إحياء التراث، بيروت، ط2، 1403هـ.
  7. وكالة الأنباء السعودية (واس).

 

 

خطبة الجمعة 7 ربيع الآخر 1448هـ الموافق 18 سبتمبر 2026م.

[1]  صحيح الجامع الصغير وزيادته، ح2930.
[2]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص316، ح53.
[3]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص165، ح86.
[4]  الخصال، ج1، ص113، ح89.
[5]  من لا يحضره الفقيه، ج4، ص406، ح5878.
[6]  صحيح الجامع الصغير وزيادته، ح2930.
[7]  سلسلة الأحاديث الصحيحة، ح1650.
[8]  بحار الأنوار، ج59، ص66، ح15.
[9]  https://www.spa.gov.sa/N2236113