كيف نكون زينًا لأهل البيت (عليهم السلام)؟
جاء في كلام وجهه الإمام الحسن العسكري
لشيعته: «إِنَّ اَلرَّجُلَ مِنْكُمْ، إِذَا وَرِعَ فِي دِينِهِ، وَصَدَقَ فِي حَدِيثِهِ، وَأَدَّى اَلْأَمَانَةَ، وَحَسَّنَ خُلُقَهُ مَعَ اَلنَّاسِ، قِيلَ: هَذَا شِيعِيٌّ، فَيَسُرُّنِي ذَلِكَ، اِتَّقُوا اَللَّهَ وَكُونُوا زَيْنًا، وَلاَ تَكُونُوا شَيْنًا، جُرُّوا إِلَيْنَا كُلَّ مَوَدَّةٍ، وَاِدْفَعُوا عَنَّا كُلَّ قَبِيحٍ»[1] .
إلى جانب حرص الأئمة على تبيين معالم الدين وأحكام الشريعة، كانوا يحرصون على التوجيه السلوكي والأخلاقي، ليكون الفرد المؤمن ناجحًا في إدارة ذاته وحياته وكسب ثقة ومحبة محيطه الاجتماعي، ولتكون الجماعة المؤمنة نموذجًا مشرقًا لخط أئمة أهل البيت
ومدرستهم الأصيلة.
فما كان الأئمة يهتمون بترسيخ العقيدة الصحيحة والولاء الخالص في نفوس أتباعهم فقط، بل يهتمون إلى جانب ذلك، بأن يكون أتباعهم متألقين في سلوكهم الاجتماعي، ومتميزين في كفاءاتهم وقدراتهم، ليتمكنوا من مواجهة التحديات، وليأخذوا مواقعهم من التأثير في الحياة الاجتماعية.
ونجد حضورًا لهذا البعد من التوجيه في تراث كلّ إمام من أئمة أهل البيت
، ومنهم الإمام الحسن العسكري
، وهو آخر الأئمة الذين كان لهم حضور مباشر في جمهور الأمة، حيث بدأ بعده عصر غيبة الإمام المهدي
في المعتقد الشيعي، أولى هذا البعد اهتمامًا كبيرًا في تعاليمه وتوجيهاته. رغم قصر عمره 28 سنة (232-260هـ) والظروف الصعبة التي عاشها طوال حياته القصيرة، فمنذ الحادية عشرة من عمره، عاش في الإقامة الجبرية والسجن، حيث كان مع أبيه الإمام علي الهادي
حينما استدعاه المتوكل العباسي إلى عاصمة الحكم سامراء سنة 243هـ، وأسكنوا في منطقة الجند، وتسمى عسكر، إلى أن التحق بالرفيق الأعلى سنة 260هـ، لذا أطلق عليه لقب (العسكري)، فحياته من أشدّ حياة الأئمة صعوبة وقسوة.
ورد عنه
: «مَا مُنِيَ أَحَدٌ مِنْ آبَائِي بِمِثْلِ مَا مُنِيتُ بِهِ»[2] .
التشيّع التزام سلوكي وأخلاقي
وفي هذه الوصية يؤكد الإمام
على ما كان يؤكد عليه آباؤه أئمة أهل البيت
، أنّ الانتماء لخط أهل البيت
ليس مجرد انتماء عقدي أو فقهي أو عاطفي، بل هو، إلى جانب ذلك كله، التزام سلوكي وأخلاقي.
إنّ من يدّعي التشيّع والانتماء لأهل البيت
عليه أن يتّبع نهجهم، وأن يأخذ بتوجيهاتهم في سيرته وسلوكه، حتى يعكس الصورة الحقيقية الناصعة لنهج أهل البيت
، فيكون زينًا لهم، كما ورد مكررًا عن أكثر من إمام، ففي كلام الإمام الحسن العسكري
: «إِنَّ اَلرَّجُلَ مِنْكُمْ، إِذَا وَرِعَ فِي دِينِهِ، وَصَدَقَ فِي حَدِيثِهِ، وَأَدَّى اَلْأَمَانَةَ، وَحَسَّنَ خُلُقَهُ مَعَ اَلنَّاسِ، قِيلَ: هَذَا شِيعِيٌّ، فَيَسُرُّنِي ذَلِكَ، اِتَّقُوا اَللَّهَ وَكُونُوا زَيْنًا، وَلاَ تَكُونُوا شَيْنًا، جُرُّوا إِلَيْنَا كُلَّ مَوَدَّةٍ، وَاِدْفَعُوا عَنَّا كُلَّ قَبِيحٍ»[3] .
ومثله ما ورد عن الإمام جعفر الصادق
: «يَا مَعْشَرَ اَلشِّيعَةِ، إِنَّكُمْ قَدْ نُسِبْتُمْ، إِلَيْنَا كُونُوا لَنَا زَيْنًا، وَلَا تَكُونُوا شَيْنًا»[4] .
والزَّين: كلّ فعل أو قول جميل محمود يزين صاحبه ويجلب له المدح والتقدير.
والشَّين: العيب والقبح، وكلّ فعل سيئ يعيب صاحبه ويجعله محط ذم.
إنّ الناس عادةً ما ينظرون إلى أيّ انتماء من خلال سلوك أتباعه، فإذا رأوا منهم السلوك الحسن، استنتجوا أنّ هذا الانتماء يربي أبناءه عليه ويوجههم إليه، وعلى العكس من ذلك، إذا رأوا منهم سلوكًا سيئًا، يتهمون انتماءهم بأنه باعث إلى ذلك أو موافق عليه.
ويشير إلى ذلك ما ورد في كلام الإمام جعفر الصادق
أنه قال لزيد الشحام: «يَا زَيْدُ؛ خَالِقُوا النَّاسَ بِأَخْلَاقِهِمْ، صَلُّوا فِي مَسَاجِدِهِمْ، وَعُودُوا مَرْضَاهُمْ، وَاشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ، وَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَكُونُوا الْأَئِمَّةَ وَالْمُؤَذِّنِينَ فَافْعَلُوا، فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَالُوا: هَؤُلَاءِ الْجَعْفَرِيَّةُ، رَحِمَ اللَّهُ جَعْفَرًا، مَا كَانَ أَحْسَنَ مَا يُؤَدِّبُ أَصْحَابَهُ، وَإِذَا تَرَكْتُمْ ذَلِكَ، قَالُوا: هَؤُلَاءِ الْجَعْفَرِيَّةُ، فَعَلَ اللَّهُ بِجَعْفَرٍ، مَا كَانَ أَسْوَأَ مَا يُؤَدِّبُ أَصْحَابَهُ»[5] .
ثلاث صفات ومقومات
وأهم ما تؤكد عليه توجيهات الأئمة في صياغة شخصية من ينتمي إليهم، وسلوك الجماعة الموالية لهم، ثلاث صفات ومقومات:
أولًا: التقوى والالتزام الديني
فالتّشيّع ليس انتماءً قبليًا ولا حزبًا سياسيًا، بل هو في الأساس خط ديني أصيل، لا ينال شرف الانتماء إليه إلا من التزم بتقوى الله تعالى وطاعته.
وأسوأ تشويه وتزييف لخط أهل البيت
، الروايات التي وضعها الغلاة، والتي تُعلي من شأن الحب القلبي والمظاهر العاطفية الشعائرية على حساب الالتزام القيمي والسلوكي بتقوى الله وطاعته.
ورد عن الإمام محمد الباقر
: «لَا تَذْهَبْ بِكُمُ الْمَذَاهِبُ فَوَ اللَّهِ مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ»[6] .
وجاء في وصيته
لجابر الجعفي: «يَا جَابِرُـ أَيَكْتَفِي مَنِ انْتَحَلَ التَّشَيُّعَ أَنْ يَقُولَ بِحُبِّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ؟ فَوَ اللَّهِ مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَأَطَاعَهُ»[7] .
إنّ محبة أهل البيت الحقيقية ينبغي أن تنعكس على سلوك الإنسان وتقواه واستقامته، وأن تكون دافعًا للارتقاء الأخلاقي والعملي، لا مجرد عنوان للانتساب.
ثانيًا: الخلق القويم وحسن التعامل مع الناس
كما ورد عن الإمام العسكري
في وصيته لشيعته: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اَللَّهِ وَاَلْوَرَعِ فِي دِينِكُمْ، وَاَلاِجْتِهَادِ لِلَّهِ، وَصِدْقِ اَلْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ اَلْأَمَانَةِ إِلَى مَنِ اِئْتَمَنَكُمْ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ»[8] .
ثالثًا: اكتساب المعرفة وتنمية القدرات
أئمة أهل البيت
هم رواد المعرفة وحملة العلم، وكانوا يريدون من أتباعهم أن يقتدوا بهم في الإقبال على اكتساب العلم والمعرفة، ليرتقوا بمستوى حياتهم، ويعلو قدرهم.
ورد عن أمير المؤمنين علي
: «تَعَلَّمُوا العِلمَ صِغارًا تَسودوا بِهِ كِبارًا»[9] .
وجاء عن الإمام جعفر الصادق
: «لَسْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَى اَلشَّابَّ مِنْكُمْ إِلَّا غَادِيًا فِي حَالَيْنِ: إِمَّا عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَرَّطَ، فَإِنْ فَرَّطَ ضَيَّعَ، وَإِنْ ضَيَّعَ أَثِمَ، وَإِنْ أَثِمَ سَكَنَ اَلنَّارَ»[10] .
وعنه
: «لَمَّا حَضَرَتْ أَبِي
الْوَفَاةُ، قَالَ: يَا جَعْفَرُ، أُوصِيكَ بِأَصْحَابِي خَيْرًا، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، وَاللَّهِ لَأَدَعَنَّهُمْ وَالرَّجُلُ مِنْهُمْ يَكُونُ فِي الْمِصْرِ فَلَا يَسْأَلُ أَحَدًا»[11] .
لذلك نرى في التاريخ، كيف كان معظم أتباع الأئمة من ذوي الكفاءات، منهم العلماء والقادة والفقهاء والمتكلمون والمحدثون والأدباء، ومنهم إداريون ذوو كفاءة عالية، اضطلعوا بأدوار مهمة، ولم يكونوا أشخاصًا عاديين؛ لأنّ الأئمة
كانوا يحرصون على هذا الأمر.
العام الدراسي الجديد
نستقبل هذا الأسبوع العام الدراسي الجديد، وعلينا أن نستحضر هذا التأكيد من الأئمة على قيمة العلم، والاجتهاد في كسب المعرفة.
جاء عن أمير المؤمنين علي
: «اِكْتَسِبُوا اَلْعِلْمَ يُكْسِبْكُمُ اَلْحَيَاةَ»[12] .
وعنه
: «الْعِلْمُ يَرْفَعُ اَلْوَضِيعَ، وَتَرْكُهُ يَضَعُ اَلرَّفِيعَ»[13] .
وورد عن الإمام زين العابدين
: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، لَطَلَبُوهُ وَلَوْ بِسَفْكِ الْمُهَجِ[14] وَخَوْضِ اللُّجَجِ[15] »[16] .
إنّ من أهم عوامل التقدّم في التعليم، أن يرافق العملية التعليمية عنصر الرغبة والشوق والاهتمام في نفس الطالب والطالبة والأسرة، والمعلم والمعلمة، والعاملين في إدارة التعليم.
أن يستبشر الجميع بالعودة إلى المدرسة والجامعة، وأن يتفاعلوا بشوق واهتمام مع الدراسة وأيامها. فكلّ سنة دراسية هي خطوة متقدمة على طريق صناعة المستقبل.
ينبغي أن تهتم العائلة بخلق حالة من الشوق والمحبة للدراسة في نفوس أبنائها وبناتها.
وأن يجتهد المعلمون والمعلمات في ترغيب الطلاب والطالبات للدراسة بأفضل الأساليب الجاذبة.
وإن كانت هناك نواقص أو ثغرات في أيّ جانب من جوانب العملية التعليمية، فلا ينبغي تضخيمها واعتبارها مبررًا للتقصير وضعف الاهتمام، بل يجب السعي لمعالجة المشكلات واحتوائها.
إنّ عدد أيام الدراسة في بعض الدول المتقدمة يصل إلى 230 يومًا كاليابان، وساعات اليوم الدراسي فيها ست ساعات ونصفًا، وأيام الدراسة في الصين 220 يومًا، وتبلغ ساعات اليوم الدراسي فيها تسع ساعات ونصف، بينما تبلغ الأيام الدراسية في بلادنا 180 يومًا، وساعات اليوم الدراسي خمس ساعات ونصف.
يجب أن يكون التعليم أولوية الأسرة في اهتماماتها، وفي جداول حياتها، وميزانية إنفاقها.
والمعلم والمعلمة هما الركن الأساس في العملية التعليمية، وبإخلاصهما واجتهادهما، تتحقق أفضل النتائج، ومن ثم يجب تقدير دورهما وتعزيز مكانتهما.
لقد أظهرت نتائج البرنامج الوطني للكشف عن الموهوبين لعام 2025م تفوقًا لمنطقة القطيف، حيث سجلت أعلى نسبة مشاركة وأعلى عدد من الموهوبين المكتشفين، إذ بلغ عددهم 2995 موهوبًا، وهو ما يمثل 29% من إجمالي الموهوبين على مستوى المملكة[17] .
وذلك مؤشر على ارتفاع مستوى الاهتمام بالتعليم، ونأمل تصاعد هذا المستوى كلّ عام.
وفق الله أبناءنا وبناتنا في مسيرة هذا العام الدراسي الجديد، وأقرّ الله أعيننا بنجاحهم وتميّزهم، وبارك لنا وللوطن هذه العودة المباركة إلى مقاعد التعليم.
مصادر الخطبة:
- ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، 1407ﻫ.
- الآمدي، عبدالواحد التميمي، غرر الكلم ودرر الكلم، دار الهادي للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1413ﻫ.
- الحراني، ابن شعبة، تحف العقول، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ط6، 1417هـ.
- الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ط2، 1413هـ.
- الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن (شيخ الطائفة)، الأمالي، دار الثقافة، قم، ط1، 1414هـ.
- الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4، 1407هـ.
- المجلسي، الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، دار إحياء التراث، بيروت، ط2، 1403هـ.






