عاشوراء معركة القيم

 

ورد بسند معتبر عن الإمام علي بن موسى الرضا أنه قال: «مَنْ تَرَكَ السَّعْيَ فِي حَوَائِجِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، قَضَى الله لَهُ حَوَائِجَ اَلدُّنْيَا وَاَلْآخِرَةِ، وَمَنْ كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمَ مُصِيبَتِهِ وَحُزْنِهِ وَبُكَائِهِ، جَعَلَ اَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَوْمَ فَرَحِهِ وَسُرُورِهِ»[1] .

عاشوراء لم تكن معركة بين شخصيتين متنافستين، ولا حربًا بين قبيلتين متنازعتين، ولا صراعًا بين حزبين سياسيين، أو فرقتين دينيتين، إنما كانت معركة القيم بين جبهتين ومعسكرين، جبهة تمثل الحق، وأخرى تمثل الباطل، أحدهما يقاتل في سبيل الله، والآخر يقاتل في سبيل الشيطان.

الإمام الحسين يقود معسكر المبادئ والقيم ومعه ثلة من الأصحاب الأخيار العباد الزهاد، الذين التفوا حول الحسين دفاعًا عن الدين والعدل ومصلحة الأمة، وفي المقابل المعسكر الأموي، الذي دفعته المطامع والأهواء والشهوات لارتكاب أبشع جريمة بحق سبط رسول الله وأهل بيته وأصحابه.

إنّ إحياء عاشوراء، واستحضار شهادة الإمام الحسين وأصحابه، يجب أن يكون حافزًا ودافعًا لتمثل قيم وأخلاق معسكر الحسين، ورفض نهج المعسكر الأموي وأخلاقه، ويعني الالتزام بالقيم والمبادئ التي جسّدها الحسين وأصحابه، والتبري والابتعاد عن رذائل قتلة الحسين وأعدائه.

ونركز في حديثنا على مبدأين من بين القيم والمبادئ التي افترق فيها المعسكران.

الانقياد لله أو للشهوات

الأول: الارتباط بالله والانطلاق من أمره ونهيه، وتلك هي القيمة الأساس التي انطلق منها الحسين وأصحابه، بينما انطلق قتلة الحسين من الانقياد لأهوائهم وشهواتهم ومصالحهم الدنيوية.

تحرك الإمام الحسين لإحقاق الحقّ وإقامة العدل، استجابة لأمر الله تعالى، يقول : «إِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الْإِصْلاَحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ اَلْمُنْكَرِ»[2]  ويقول : «أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ الْحَقَّ لاَ يُعْمَلُ بِهِ، وَأَنَّ الْبَاطِلَ لَا يُتَنَاهَى عَنْهُ، لِيَرْغَبَ الْمُؤْمِنُ فِي لِقَاءِ اللَّهِ مُحِقًّا»[3] .

وكذلك كان نهج أصحابه وأهل بيته، فأحدهم يقول: «والله إن قطعتم يميني.. إني أحامي أبدًا عن ديني».

الحسين وأصحابه لم ينقطعوا عن عبادة الله حتى في أحلك الظروف، بل كان التواصل مع الله بالصلاة والدعاء، منبع اطمئنانهم وثباتهم، فقد استمهل الحسين القوم ليلة العاشر للتفرغ للعبادة، وصلى بأصحابه وسط المعركة ظهر يوم عاشوراء صلاة الخوف.

وفي المقابل، فإنّ قائد الجيش الأموي عمر بن سعد يتحدث بصراحة عن هدفه ومنطلق تحركه، وهو الحصول على منصب ولاية الريّ، وإن كان الثمن ارتكاب أعظم جريمة، وهو قتل الحسين!! يقول ابن سعد:

فوالله ما أدري وإني لحائر *** أفكر في أمري على خطرين

أأترك ملك الري والري منيتي *** أم أرجع مأثومًا بقتل حسين

حسين ابن عمي والحوادث جمة *** لعمري ولي في الري قرة عين

يقولون إنّ الله خالق جنة *** ونار وتعذيب وغلّ يدين

فإن صدقوا فيما يقولون إنني *** أتوب إلى الرحمن من سنتين

وإن كذبوا فزنا بدنيا عظيمة *** وملك عظيم دائم الحجلين[4] 

وأحدهم، وهو سنان بن أنس يتحدث بكلّ وقاحة طالبًا الجائزة من أميره على مشاركته قائلًا:

اِملَأ رِكابي فِضَّةً وذَهَبا                       إنّي قَتَلتُ المَلِكَ المُحَجَّبا

قَتَلتُ خَيرَ النّاسِ أُمًّا وأبا                  وخَيرَهُم إذ يُذكَرونَ النَّسَبا[5] 

إنه يعترف بأنّ الحسين خير الناس أُمًا وأبًا، لكنه يفخر بقتله طمعًا في ملء ركابه من الذهب والفضة!!

وجاء في سير أعلام النبلاء: «وَأُخِذَ ثَقَلُ الحُسَيْنِ، وَأَخَذَ رَجُلٌ حُلِيَّ فَاطِمَةَ بِنْتِ الحُسَيْنِ، وَبَكَى؛ فَقَالَتْ: لِمَ تَبْكِي؟

فَقَالَ: أَأَسْلُبُ بِنْتَ رَسُوْلِ اللهِ وَلاَ أَبْكِي؟

قَالَتْ: فَدَعْهُ.

قَالَ: أَخَافُ أَنْ يَأْخُذَهُ غَيْرِي»[6] .

يرتكب جرمًا يستنكره ضميره، بإرعاب طفلة يتيمة من أهل البيت وسلبها، حرصًا وطمعًا في قطعة من الحليّ كانت تتزين بها تلك الطفلة، حتى لا يأخذها غيره!!

إنّ من يبكي على الحسين ويوالي الحسين، ويشارك في إحياء عاشوراء، عليه أن يجدد العهد مع الله، ثم مع الإمام الحسين، أن يُعزّز في نفسه وسلوكه الارتباط بالله والانطلاق من أمره ونهيه، والمحافظة على الصلاة، ليكون سائرًا على نهج الحسين وأصحابه، أما إذا انقاد لأهوائه وشهواته ومصالحه المادية على حساب المبادئ والقيم، فسيكون ضمن المعسكر المناوئ للإمام الحسين.

الرحمة في مواجهة التوحش

المبدأ الثاني: الرحمة والإحسان، حيث كان الحسين يفيض رحمة وإحسانًا على من حوله، حتى من أعدائه ومناوئيه.

عندما استقبل الإمام الحسين وأصحابه، الجيش الأموي الذي كان يقوده الحر بن يزيد الرياحي، في وسط الصحراء، وكان قوامه أكثر من ألف مقاتل، وكانوا يعانون من الظمأ والعطش الشديد، أمر الحسين أصحابه بسقايتهم وسقاية خيولهم، ولما قال له بعض أصحابه - وهو زهير بن القين-: «يَا بنَ رَسولِ الله، إنَّ قِتالَ هؤُلاءِ أهوَنُ مِن قِتالِ مَن يَأتينا مِن بَعدِهِم»، ولو ناجزهم الإمام ساعتها لكسب أسلحتهم ولأرعب من يأتي خلفهم، لكنّ الإمام الحسين رفض، وقال: «مَا كُنتُ لِأَبدَأَهُم بِالقِتالِ»[7] .

وفي يوم التاسع من المحرّم، أقبل شمر بن ذي الجوشن على معسكر الإمام الحسين : وكان له خؤولة مع إخوة الحسين أبناء أم البنين، ونادى: «أينَ بَنو اُختِنا؟»، فاستنكروا واستنكفوا من الردّ عليه.

فالتفت إليهم الإمام الحسين، وقال: «أجيبوهُ، وإن كانَ فاسِقًا؛ فَإِنَّهُ بَعضُ أخوالِكُم». فأقبلوا يسألونه حاجته، فقال: «يا بَني أُختي، أنتُم آمِنونَ»، ولكنهم رفضوا أمانه[8] .

فضلًا عن سيرة الحسين في الشفقة على الناس والإحسان إليهم.

وعلى محب الحسين والموالي له والباكي عليه، أن ينمي في نفسه وسلوكه مشاعر الرحمة والشفقة والإحسان إلى الآخرين، وأن يكبح نزعات القسوة في نفسه على من حوله، حتى لو اختلف معهم. لماذا نجد البعض شديدًا قاسيًا في خلافاته الزوجية، أو مع إخوته وأقربائه في النزاع على الإرث، أو عند اختلافه مع أحد من أبناء مجتمعه على فكرة أو موقف أو تضارب مصلحة؟

إنّ العنف والغلظة، والتجرد من الرحمة، كانت من سمات قتلة الحسين ومناوئيه. وهذا ما قادهم لارتكاب تلك الفظائع المروعة بحق الحسين وأهل بيته وأصحابه.

نماذج من التوحش الأموي

في تاريخ الطبري عن هاني بن ثبيت الحضرمي: «كنت ممن شهد قتل الحسين، فوالله إني لواقف عاشر عشرة، ليس منّا رجل إلّا على فرس، وقد جالت الخيل، إذ خرج غلام من آل الحسين، من تلك الأخبية، عليه إزار وقميص، وهو مذعور، يلتفت يمينًا وشمالًا، إذ أقبل رجل يركض، حتى إذا دنا منه، مال عن فرسه، ثم اقتصد الغلام فقطّعه بالسيف»[9] .

وخرجَ إِليهم عبدُاللهّ بن الحسنِ بنِ عليٍّ وهو غلامٌ لم يُراهِقْ من عندِ النّساءِ، يشتدٌ حتّى وقفَ إِلى جنب الحسينِ فلحقتْه زينبُ بنتُ عليٍّ لتحبسه، فقالَ لها الحَسينُ: «احبسيه يا أُختي» فأَبى وامتنعَ عليها امتناعًا شديدًا وقالَ: واللّهِ لا أفُارقُ عمِّي. وأهوى أَبجر بنُ كَعْبِ إِلى الحسين بالسّيف، فقالَ له الغلامُ: ويلَكَ يا بنَ الخبيثةِ، أتقتل عمِّي؟! فضربَه أبْجَرُ بالسّيفِ فاتّقاها الغلامُ بيدهِ فأطنَّها إِلى الجلدةِ فإِذا يده معلّقةٌ، ونادى الغلامُ: يا أُمّتاه! فأخذَه الحسينُ فضمَّه إِليه وقالَ: «يا بنَ أخي، اصبرْ على ما نزلَ بكَ، واحتسِبْ في ذلكَ الخيرَ، فإِنّ اللهَّ يُلحقُكَ بآبائكَ الصّالحينَ»[10] .

وفي أمالي الصدوق عن الإمام محمد الباقر : «أُصِيبَ اَلْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَوُجِدَ بِهِ ثَلاَثُمِائَةٍ وَبضعًا وَعشرين طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ ضَرْبَةً بِسَيْفٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ»[11] .

شكر وتقدير

نحمد الله تعالى ونشكره أن بلّغنا ووفقنا وإياكم لإحياء ذكرى شهادة أبي عبدالله الحسين هذا العام في أمن وسلام، ونسأله تعالى أن يتقبل منّا ومنكم، ويثبتنا جميعًا على محبة وولاية رسول الله وأهل بيته، وأن يرزقنا زيارة الحسين وشفاعته يوم الورود.

كان حضور أبناء المجتمع كبيرًا وحاشدًا في مختلف المجالس الحسنية، رجالًا ونساءً، كبارًا وشبابًا، وكان حضور الشباب والفتيات لافتًا للنظر، وهذا ما يطمئننا على مستقبل هذا الجيل الصاعد، نسأل الله لهم الصلاح والتوفيق.

وقد كانت موائد المنبر الحسيني ثرية بطرح المواضيع المتنوعة الفكرية والتربوية والاجتماعية، فجزى الله الخطباء الواعين خير الجزاء على ما بذلوا من جهد وقدّموا من عطاء.

العاملون في خدمة المجالس وتنظيمها، وأصحاب المضايف الذين تحمّلوا عناء إعداد الطعام وتوزيعه على المعزّين، أجزل الله لهم وللباذلين خير العطاء والجزاء.

ولا بُدّ أن نشكر الدولة وأجهزتها المختلفة المعنية، وخاصة القوى الأمنية، التي وفرت لنا أجواء الأمن والاستقرار، لنؤدي شعائرنا الحسينية بطمأنينة وانسياب.

حفظ الله بلادنا من كلّ مكروه وأدام علينا فيها نعمة الأمن والأمان، ووفق الله قيادة الوطن للارتقاء به وخدمة مصالح مواطنيه.

ولا جعله الله آخر العهد منّا لإحياء ذكرى أبي عبدالله الحسين .

مصادر الخطبة:

  1. الحراني، ابن شعبة، تحف العقول، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ط6، 1417هـ.
  2. الخوارزمي، الموفق بن أحمد المکي، مقتل الحسين، انوار الهدى، قم، ط1، 1418هـ.
  3. الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط3، 1405هـ.
  4. الشيخ المفيد، محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، سلسلة المؤلفات 11، دار المفيد، بيروت، ط2، 1414هـ.
  5. الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي، الأمالي، مؤسسة البعثة، قم، ط1، 1417هـ.
  6. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط5، 1409هـ.
  7. المجلسي، الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، دار إحياء التراث، بيروت، ط2، 1403هـ.
  8. محسني، الشيخ محمد آصف، معجم الأحاديث المعتبرة، دار الأديان للنشر، طهران، ط1، 1434هـ.

 

خطبة الجمعة 11 محرم 1448هـ الموافق 26 يونيو 2026م.

[1]  معجم الأحاديث المعتبرة، ج2، ص222، ح1253.
[2]  بحار الأنوار، ج44، ص327.
[3]  تحف العقول، ص245.
[4]  مقتل الحسين للخوارزمي، ج1، ص351.
[5]  مقتل الحسين للخوارزمي، ج 2، ص 45.
[6]  سير أعلام النبلاء، ج3، ص303.
[7]  تاريخ الطبري، ج4، ص309.
[8]  تاريخ الطبري، ج4، ص 315.
[9]  تاريخ الطبري، ج4، ص343.
[10]  الإرشاد للشيخ المفيد ج2 ص110.
[11]  الأمالي للشيخ الصدوق، ص228.