الحسين وموقف المسؤولية

 

جاء في خطبة للإمام الحسين بن علي أمام جيش الحر بن يزيد الرياحي: «أَلا وَإِنَّ هَؤُلاءِ قَدْ لَزِمُوا طَاعَةَ الشَّيْطَانِ، وَتَرَكُوا طَاعَةَ الرَّحْمَنِ، وَأَظْهَرُوا الْفَسَادَ، وَعَطَّلُوا الْحُدُودَ، وَاسْتَأْثَرُوا بِالْفَيْءِ، وَأَحَلُّوا حَرَامَ اللَّهِ، وَحَرَّمُوا حَلالَهُ، وَأَنَا أَحَقُّ مَنْ غَيَّرَ»[1] .

ما هو موقف الإنسان تجاه الأحداث والواقع الذي يتشكل في محيطه الاجتماعي؟

يمكننا أن نرصد ثلاثة ألوان من المواقف:

الأول: اللامبالاة.

الثاني: الاتكالية والتواكل.

الثالث: المبادرة وتحمل المسؤولية.

ونسلط الأضواء على كلّ واحد من هذه المواقف، والخلفيات التي تنطلق منها، والآثار المترتبة عليها.

1/ موقف اللامبالاة

ويعني عدم الاهتمام بما يحدث في الساحة الاجتماعية، فلا يجد الإنسان نفسه معنيًا بما يجري من أحداث سلبية أو إيجابية في مجتمعه، ويعيش حالة من الانفصال عن الواقع الاجتماعي، وفقدان الإحساس بالمسؤولية تجاه ما يحدث حوله.

وبعض الناس يعيشون حالة اللامبالاة حتى على مستوى محيطهم العائلي، فلا يهتم كثيرًا بتدبير شؤون عائلته، ولا بدراسة أولاده أو بسلوكهم، وقد ورد عن رسول الله أنه قال: «مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ يَعُولُ»[2] .

وقد تأتي اللامبالاة من النزعة الأنانية المفرطة، فلا يهتم الإنسان بما هو خارج ذاته.

وقد تكون بسبب ضآلة الوعي الإنساني والاجتماعي، حيث يقتنع الإنسان بالعيش في حدود توفير رغباته وملذاته الجسمية ومصالحه المادية المحدودة، دون أيّ تطلع قيمي، أو طموح لدور اجتماعي.

وذلك ما يشبّهه الإمام علي بحياة البهائم، كما جاء في كلام له : «فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ، كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفُهَا، أَوِ الْمُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا»[3] .

وعنه : «أَتَمْتَلِئُ السَّائِمَةُ[4]  مِنْ رِعْيِهَا فَتَبْرُكَ، وتَشْبَعُ الرَّبِيضَةُ[5]  مِنْ عُشْبِهَا فَتَرْبِضَ، ويَأْكُلُ عَلِيٌّ مِنْ زَادِه فَيَهْجَعَ[6] ، قَرَّتْ إِذًا عَيْنُه[7]  إِذَا اقْتَدَى بَعْدَ السِّنِينَ الْمُتَطَاوِلَةِ، بِالْبَهِيمَةِ الْهَامِلَةِ[8]  والسَّائِمَةِ الْمَرْعِيَّةِ»[9] .

وقد ينطلق موقف اللامبالاة من شعور بالعجز، وضعف الإرادة، وفقدان الثقة بالنفس، حين لا يجد الإنسان نفسه قادرًا على فعل شيء، أو إحداث أيّ أثر وتغيير.

2/ الاتكالية والتواكل

هناك قسم من الناس قد تثير اهتمامهم بعض الأمور والأوضاع في الساحة الاجتماعية، ويدركون أهمية مواجهتها واحتوائها، لكنهم يكتفون بالمراقبة والنقد والتعليق، ويلقون مسؤولية الحركة والتغيير على الآخرين، ويتوقعون من غيرهم القيام بذلك، إما لأنهم لا يجدون في أنفسهم القدرة أو يتوهمون ذلك، أو لأنهم لا يمتلكون الإرادة وروح العطاء والتضحية.

ورد عن أمير المؤمنين علي : «ولَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: إِنَّ أَحَدًا أَوْلَى بِفِعْلِ الْخَيْرِ مِنِّي، فَيَكُونَ واللَّه كَذَلِكَ إِنَّ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ أَهْلًا، فَمَهْمَا تَرَكْتُمُوه مِنْهُمَا كَفَاكُمُوه أَهْلُه»[10] .

3/ موقف المسؤولية

بأن يبادر الإنسان إلى تحمل المسؤولية تجاه عائلته ودينه ووطنه ومجتمعه، انطلاقًا من واجب إنسانيته ودينه.

فإنّ الله تعالى قد ميّز الإنسان على بقية المخلوقات، ومنحه طاقات وقدرات عقلية ونفسية هائلة، ليمارس دور الخلافة في الأرض، وإعمار الحياة وإدارتها، وحمّله المسؤولية، فهو كائن مسؤول، سيقف للحساب بين يدي الله تعالى، عن كلّ لحظة من لحظات حياته، وكلّ موقف وتصرف قام به.

يقول تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ [سورة الصافات، الآية: 24].

ويقول تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ‎*‏ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [سورة الحجر، الآيتان: 92-93].

وجاء عن علي : «فَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ حَتَّى عَنِ الْبِقَاعِ والْبَهَائِمِ»[11] .

فلا يجوز للإنسان أن يكون متفرجًا على مسرح الحياة، بل يجب أن يكون فاعلًا باتجاه الخير والصلاح، ومكافحًا للشر والفساد، وإن كلفه ذلك بعض الأثمان والتضحيات.

فهناك واجب الجهاد في سبيل الله لتطبيق القيم السامية، وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الحسين نموذج وقدوة

ذلك هو ما دفع الإمام الحسين للقيام بنهضته المباركة، وحركته العظيمة، يقول : «أَلاَ تَرَوْنَ أَنَّ اَلْحَقَّ لاَ يُعْمَلُ بِهِ، وَأَنَّ اَلْبَاطِلَ لاَ يُتَنَاهَى عَنْهُ، لِيَرْغَبَ اَلْمُؤْمِنُ فِي لِقَاءِ اَللَّهِ مُحِقًّا، فَإِنِّي لاَ أَرَى اَلْمَوْتَ إِلَّا سَعَادَةً، وَلاَ اَلْحَيَاةَ مَعَ اَلظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَمًا»[12] .

إنه لم ينتظر الآخرين أن يتحركوا، ولم يلقِ بالمسؤولية عليهم، بل رأى نفسه الأولى بالمبادرة وتحمل المسؤولية. يقول في خطبته أمام جيش الحر بن يزيد الرياحي: «أَلا وَإِنَّ هَؤُلاءِ قَدْ لَزِمُوا طَاعَةَ الشَّيْطَانِ، وَتَرَكُوا طَاعَةَ الرَّحْمَنِ، وَأَظْهَرُوا الْفَسَادَ، وَعَطَّلُوا الْحُدُودَ، وَاسْتَأْثَرُوا بِالْفَيْءِ، وَأَحَلُّوا حَرَامَ اللَّهِ، وَحَرَّمُوا حَلالَهُ، وَأَنَا أَحَقُّ مَنْ غَيَّرَ»[13] .

رسالة إحياء عاشوراء

وإذ نحيي ذكرى النهضة الحسينية الخالدة، فإنّ أهم درس يجب أن نستفيده منها، هو تحمل المسؤولية تجاه عوائلنا ومجتمعنا ووطننا وأمّتنا.

إنه لا يصح للإنسان أن يقبل لنفسه موقف اللامبالاة وعدم الاهتمام، ولا أن يلقي بالمسؤولية على الآخرين، وينتظر تحركهم، بل عليه أن يقتدي بالحسين، ويبادر لعمل الخير لصالح المجتمع، ويكافح بمقدار جهده واستطاعته عوامل الشر والفساد في مجتمعه ووطنه.

والطريق إلى ذلك هو كسب الوعي ونشره، وصناعة المبادرات الاجتماعية والمشاركة فيها.

تجاه عائلتك، يجب أن تتوفر على ثقافة التربية والتوعية، وتسهم في صنع إطار للاهتمام بأسرتك وعشيرتك، إنّ وجود مجلس للعائلة وصندوق للأسرة، يساعد على نشر الإصلاح واستقامة السلوك، وتفقد أحوال المنتمين لها.

وتجاه المجتمع عليك أن تسهم في نشر الوعي والهداية والإرشاد، وأن تسهم في إنشاء ودعم المؤسسات الاجتماعية، ضمن الأنظمة والقوانين المشجعة على العمل الخيري التطوعي.

وفي الحيّ الذي تعيش فيه، والدائرة والمؤسسة التي تعمل فيها، عليك أن تتحمل مسؤولية التطوير والإصلاح، وسدّ الثغرات ومعالجة الأخطاء.

والمتوقع أن يحفّز الخطباء الكرام، الجمهور الحسيني في مجالس إحياء هذه الذكرى الحسينية المباركة إلى المبادرات المجتمعية وتحمل المسؤوليات.

مصادر الخطبة:
  1. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط5، 1409هـ.
  2. الشريف الرضي، نهج البلاغة، تحقيق الدكتور صبحي الصالح، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط1، 1967م.
  3. ابن شعبة الحراني، تحف العقول، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ط6، 1417هـ.
  4. الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4، 1407هـ.

 

خطبة الجمعة 4 محرم 1448هـ الموافق 19 يونيو 2026م.

[1]  تاريخ الطبري، ج5، ص403.
[2]  الكافي، ج4، ص12، ح9.
[3]  نهج البلاغة، من كتاب له إلى عثمان بن حنيف الأنصاري، رقم: 45.
[4]  الحيوان الذي يرعى في العشب.
[5]  الحيوان المربوط الذي يُعلف.
[6]  يسكن ويرتاح.
[7]  دعاء على نفسه ببرود العين - أي جمودها - من فقد الحياة.
[8]  المتروكة، والهمل من الغنم ترعى نهارًا بلا راعٍ.
[9]  نهج البلاغة، من كتاب له إلى عثمان بن حنيف الأنصاري، رقم: 45.
[10]  نهج البلاغة، حكمة: 422.
[11]  نهج البلاغة، من خطبة له في أوائل خلافته، رقم: 167.
[12]  تحف العقول، ص 245.
[13]  تاريخ الطبري، ج5، ص403.