الشيخ الصفار: عاشوراء موسم استعادة روح القيم الإنسانية
قال سماحة الشيخ حسن الصفار: إن الحديث عن القيم والقدوات ليس ترفًا فكريًا ولا خطابًا وعظيًا عابرًا، بل يمثل حاجة إنسانية مستمرة تحفظ للإنسان معنى وجوده وتمنحه القدرة على إدارة حياته وبناء علاقاته الاجتماعية على أسس مستقرة.
وتابع: ذلك لأننا نعيش زمنًا تتسارع فيه التحولات الثقافية، وتتراجع فيه المرجعيات الأخلاقية، أمام هيمنة النزعات المادية، وموجات التأثير الإعلامي الواسعة.
جاء ذلك ضمن خطبة الجمعة 25 ذو الحجة 1447هـ الموافق 12 يونيو 2026م، في مسجد الرسالة بالقطيف شرقي السعودية بعنوان: حديث القيم والقدوات حاجة إنسانية.
وأوضح سماحته أن القيم الإيمانية والأخلاقية هي التي تمنح الإنسان المعنى الحقيقي لوجوده، وتخرجه من دائرة العبث والضياع، إلى دائرة الوعي والرسالة والمسؤولية.
وتابع: حين يؤمن الإنسان بأن وجوده في الحياة ليس صدفة، وأنه مكلّف برسالة، ومسؤول عن أفعاله، فإن نظرته لنفسه ولمحيطه تختلف جذريًا.
وضرب مثالًا توضيحيًا لحال الإنسان المؤمن وغير المؤمن بالغاية، فشبّه الأول بشخص وصل إلى بلد ضمن مهمة واضحة، يعرف سبب وجوده، ويحمل برنامجًا لرحلته، ويدرك أنه سيعود ليقدّم تقريرًا عن أدائه، ويُجازى على إنجازه، أو يُحاسب على تقصيره؛ لذلك يتحرك بوعي وانضباط ومسؤولية.
وتابع: أما الثاني فهو كمن وجد نفسه في مكان لا يعرف كيف وصل إليه، ولا لماذا، ولا يدري ما المطلوب منه، فتتحول حياته إلى سلسلة من الاستجابات اللحظية والانفعالات العابرة.
وفي السياق، استحضر سماحته ما عبّر عنه الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي في قصيدته «الطلاسم»، حين عبّر عن القلق الوجودي، وتساؤلات الإنسان الحائر، حول أصل وجوده ومعناه ومصيره، معتبرًا أن الإيمان يقدّم الإجابة التي تنقل الإنسان من القلق إلى السكينة، ومن التردد إلى الثبات.
وأشار إلى أن القيم الأخلاقية مثل العدل، والإحسان، والصدق، والأمانة، والوفاء، ليست معاني طارئة يفرضها المجتمع من الخارج، بل هي ممتدة في الفطرة الإنسانية، ومتجذرة في الوجدان، غير أن الإنسان قد يبتعد عنها بفعل ضغط الشهوات، أو تغليب المصالح الشخصية، أو تأثير البيئة المحيطة، مما يجعل الحاجة إلى التذكير والتربية الأخلاقية حاجة دائمة لا تنقطع.
وبيّن أن الرسالات الإلهية جاءت لتؤدي هذا الدور؛ إذ لم تكتفِ بالدعوة النظرية إلى الخير، بل قدّمت قدوات عملية تجسّد هذه المبادئ في الواقع، فكان الأنبياء والأوصياء نماذج إنسانية، تؤكد أن الالتزام بالقيم أمر ممكن وقابل للتحقق، وليس مثالًا خياليًا بعيدًا عن واقع الناس.
وأكد سماحته أن أي تقصير في ترسيخ القيم، أو تقديم القدوات داخل المجتمع، ستكون له آثار خطيرة تتجاوز الجانب الفردي، لتنعكس على العلاقات الأسرية، والتماسك الاجتماعي، والوعي العام، مبينًا أن المجتمعات لا تبدأ بالانهيار عندما تضعف مواردها الاقتصادية، وإنما حين تتراجع منظومتها الأخلاقية ويبهت حضور النماذج الملهمة فيها.
وتوقف الشيخ الصفار عند بعض مظاهر الأزمة الأخلاقية العالمية المعاصرة، موضحًا أن الحضارة المادية الحديثة، رغم ما حققته من تقدم تقني ومعرفي، أسهمت في كثير من الأحيان في إضعاف الحس القيمي، عبر تكريس الفردانية، وتحفيز الاستهلاك، وإثارة الرغبات دون حدود أو ضوابط، حتى أصبحت بعض المجتمعات تشعر بخطر هذه الموجة على الأجيال الجديدة.
وأشار في هذا الإطار إلى توجهات ظهرت في بعض الدول الغربية للحد من تعرض الأطفال للمحتويات والسلوكيات الضارة عبر الوسائط الرقمية، معتبرًا أن ذلك يعكس إدراكًا متزايدًا بأن حماية الإنسان لا تتحقق بالتقدم المادي وحده، وإنما تحتاج إلى بناء أخلاقي متين.
ودعا إلى جعل الحديث عن القيم والقدوات مشروعًا مستمرًا داخل الأسرة، والمؤسسات والمجتمع، وعدم الاكتفاء بالمواسم العابرة، مؤكدًا أن القرآن الكريم رسم هذا المنهج عبر التذكير المتكرر بسير الأنبياء والأولياء.
واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ * وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ الْأَخْيَارِ﴾.
وأبان أن القرآن الكريم لا يقدّم العقيدة والقيم الأخلاقية بوصفها مفاهيم مجردة، وإنما يربطها بسير أشخاص ونماذج جسّدوا تلك المبادئ في حياتهم، ليبقى الإنسان قادرًا على رؤية القيم وهي تتحرك على الأرض واقعًا وتجربة.
وفي موضوع متصل تحدّث الشيخ الصفار عن أهمية موسم عاشوراء بوصفه مساحة كبرى لإحياء القيم وتجديد الوعي الديني.
وتابع إن إحياء ذكرى الإمام الحسين
لم يكن مجرد تقليد تاريخي، بل تحوّل إلى مشروع ثقافي واجتماعي وروحي متجدد، يعيد استحضار معاني التضحية والعدالة والكرامة والإصلاح.
واستشهد بما ورد عن الإمام جعفر الصادق
: «يا فضيل تجلسون وتتحدثون؟ … أحيوا أمرنا رحم الله امرءًا أحيا أمرنا»، مؤكدًا أن إحياء هذه المواسم هو إحياء للقيم التي قامت عليها نهضة أهل البيت
. داعيًا إلى الاستعداد الجاد لموسم عاشوراء، والانخراط الواعي في برامجه وأنشطته، واستثمار أجوائه في بناء الذات وتعزيز الانتماء الرسالي.






