الحج ومواجهة الشيطان

 

يقول تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [سورة البقرة، الآية: 203].

تنتهي بعد ظهر يوم الثاني عشر من ذي الحجة مناسك الحج لمعظم الحجيج، ويستعدون للأوبة إلى ديارهم بعد أداء هذه الفريضة العظيمة، نسأل الله أن يتقبل حجهم، ويشكر سعيهم، ويعيدهم سالمين آمنين إلى أهاليهم، وأن يشركنا في صالح أعمالهم ودعواتهم.

تبدأ مناسك الحج بالتلبية عند الإحرام، وإعلان الاستجابة لله والطاعة لأمره، حيث يقول الحاج معلنًا عزمه وقصده: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ».

الحج: برنامج متنوع مكثّف

يباشر الحاج أداء مناسك الحج ضمن رحلة روحية عملية ذات برنامج متنوع مكثف، يشترك فيه مع ملايين المسلمين القادمين من شتى أصقاع الأرض والمنتمين إلى مختلف الأعراق والقوميات والمذاهب.

فهناك برنامج الطواف والسعي والصلاة، والتنقل بين المشاعر المقدسة: عرفة والمزدلفة ومنى، ورمي الجمار، وتقديم الأضحية، والحلق أو التقصير، وسائر مناسك الحج، وشعائره التي تنتهي برمزية المواجهة مع الشيطان. حيث يكون آخر نسك للحاج رمي الجمرات، يوم الثاني عشر للمتعجلين وهم الأكثرية، ويوم الثالث عشر لمن يبقى للمبيت في منى ليلة الثالث عشر.

تقول الآية الكريمة: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ، وهي أيام التشريق، الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، حيث يبيت الحاج في منى منشغلًا بالدعاء وذكر الله، خاصة التكبير المستحب بعد كلّ فريضة، تبدأ من صلاة ظهر يوم الأضحى وتنتهي بعد صلاة الفجر من اليوم الثالث عشر.

ويجوز الاقتصار على المبيت حتى ليلة الثاني عشر، فيرمي الجمار يومها، وبذلك تنتهي مناسكه، ويغادر منى، قبل الغروب: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وبإمكانه البقاء، فلو بقي إلى غروب الشمس، أو اقترف بعض محظورات الإحرام كالصيد أو الاستمتاع بالنساء، وجب عليه المبيت ليلة الثالث عشر ورمي الجمار في النهار، ثم يغادر: ﴿وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ.

رمي الجمرات ورمزية مواجهة الشيطان

نريد الوقوف عند هذا النسك الرمزي من مناسك الحج، وهو رمي الجمرات.

حيث يجب على الحاج أن يؤديَه مرات متكررة؛ فيرمي يوم العيد جمرة العقبة فقط، وفي ثاني العيد يرمي الجمرات الثلاث، وكذلك ثالث العيد، وإذا بقي في منى يكرر رمي الجمرات الثلاث أيضًا رابع العيد.

يؤدي الحاج نسك الجمار سبعَ مرات على الأقلّ، مرة يوم العيد، وثلاث مرات في اليوم الثاني، ومثلها في اليوم الثالث، وإذا بات ليلة الثالث عشر، تصبح عشر مرات.

يجمع الحاج الحصيات من أرض الحرم، والأفضل من المشعر الحرام (مزدلفة).

ويرمي كلّ جمرة بسبع حصيات، واحدة بعد واحدة، فلا يصح الرمي بحصاتين أو أكثر مرة واحدة. على أن تصل الحصاة إلى الجمرة فلا يحسب ما لا يصل، ويرمي بيده لا بآلة أخرى، وألّا تكون حصى قد رمي بها قبلًا. وأن يصدر منه العمل بنية القربة الخالصة. وأن يبدأ بالجمرة الأولى ثم الوسطى ثم العقبة، وأن يكون رمي كلّ جمرة متواليًا دون فاصل.

ويستحب أن يدعو عند كلّ رمية «اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ ادْحَرْ عَنِّي‏ الشَّيْطَانَ»، وأن يقول عند الانتهاء والرجوع من الرمي: «اللَّهُمَّ بِكَ وَثِقْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ فَنِعْمَ الرَّبُّ وَنِعْمَ الْمَوْلى‏ وَنِعْمَ النَّصِيرُ».

محاكاة الموقف الإبراهيمي

تتحدث النصوص الإسلامية عن خلفية هذا النسك، وأنه يحكي عن مواجهة حقيقية حصلت بين نبي الله إبراهيم الخليل وبين الشيطان، الذي تمثّل وتراءى له في هذه الأماكن الثلاثة، ليسوّل له التراجع عن إطاعة أمر الله تعالى، فرفض النبي إبراهيم محاولاته، وكان يرميه بالحصى كلّ مرة، فأراد الله تعالى تخليد هذا الموقف الصامد الرافض لإغواء الشيطان، وجعل محاكاته منسكًا، ليكون مواجهة رمزية للشيطان، تذكّر الإنسان أنه سيتعرض لمحاولات الإغواء والإضلال في مسيرته، فعليه أن يكون واعيًا يقظًا، وأن يتسلّح بروح الثبات والصمود أمام إغراءات الشيطان، وأن يسعى لدحره وإبعاده عن طريقه مستعينًا بالله على ذلك.

ورد عن الإمام جعفر الصادق : «ذَلِكَ أَنَّ الشَّيْطَانَ تَمَثَّلَ لَهُ عِنْدَهَا»[1] .

وعنه : «الحَجُّ الأَكبَرُ الوُقوفُ بِعَرَفَةَ، ورَميُ الجِمارِ»[2] .

وجاء في رواية أنه سُئل الإمام موسى بن جعفر الكاظم عن رمي الجمار؟ فأجاب: «لِأَنَّ إِبْلِيسَ اللَّعِينَ كَانَ يَتَرَاءَى لِإِبْرَاهِيمَ فِي مَوْضِعِ الْجِمَارِ فَيَرْجُمُهُ إِبْرَاهِيمُ فَجَرَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ»[3] .

حقائق عن المواجهة

إنها مواجهة رمزية للشيطان، يفترض أن تؤكد في نفس الإنسان الحقائق التالية:

أولًا: أنّ الإنسان مهدد بمحاولات الإغواء والإضلال من قبل الشيطان عبر الأهواء والشهوات في داخل نفسه، وعبر تأثير العناصر السيئة المنحرفة من الناس حوله، فعليه أن يتّخذ قرار المواجهة، وألّا يقع في فخ الغواية والاستسلام.

ورد عن الإمام جعفر الصادق : «وارمِ الشَّهَواتِ والخَساسَةَ والدَّناءَةَ والذَّميمَةَ عِندَ رَميِ الجَمَراتِ»[4] .

ثانيًا: أنّ مناسك الحج وجميع العبادات والطاعات، تهيؤه نفسيًا للالتزام بطاعة الله، لكنها لا تمنحه الحصانة، فعليه أن يكون أكثر يقظة ووعيًا لحماية نفسه من الانزلاق.

ورد عن أمير المؤمنين علي عن رسول الله : «إذا قَضَوا مَناسِكَهُم قيلَ لَهُم: بَنَيتُم بِناءً فَلا تَهدِموهُ، كُفيتُم ما مَضى فَأَحسِنوا فيما تَستَقبِلونَ»[5] .

فرمي الجمار آخر نسك، وكأنه الخلاصة والتوصية النهائية لكلّ برامج هذه الرحلة الإيمانية العظيمة.

ثالثًا: إنّ مواجهة الشيطان تحتاج إلى قرار وعزيمة ومبادرة بالتصدي له، واستخدام الوسائل المساعدة على دحره، وهنا تأتي رمزية جمع الحصيات بمواصفات معينة، واستخدامها ضمن نظام محدد، والإصرار على المواجهة بتكرار الرمي بعشرات الحصيات، وإعلان مقاومة الشيطان والمجاهرة بها، من خلال عمل جمعي يشترك فيه ملايين المؤمنين المواجهين للشيطان.

إنّ مواجهة الشيطان هي معركة الإنسان الدائمة في مسيرة حياته بكلّ جوانبها وتفاصيها.

الشيطان بين المفهوم والمصداق

والشيطان في الثقافة الدينية له مفهوم عام، ومفهوم شخصي خاص، المفهوم العام للشيطان، يعني كلّ تمرد وانحراف واعوجاج، ويمكن القول إنه عنوان لكلّ شرٍّ وسوء في الجوانب المادية والمعنوية، أما المفهوم الخاص فيتمثل في النموذج الأسوأ والأوضح وهو إبليس، الذي هو من الجنّ ارتقى بعبادته إلى مصاف الملائكة، لكنه أصيب بالكبر وتمرد على أمر الله تعالى، فأصبح المؤسس والمتزعم لخط الانحراف والاعوجاج في حياة البشر.

فالشيطان بمفهومه العام والخاص هو: العدو الأكبر لإنسانية الإنسان، والساعي إلى إيقاعه في الضرر والهلاك، لذلك يحذّرنا الله تعالى منه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ [سورة يوسف، الآية: 5].

ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ [سورة النور، الآية: 21].

إنّ الشيطان يتمثل في الأفكار السلبية التي تصرف الإنسان عن الخير، وفي المشاعر العدائية تجاه الآخرين، وفي الأنانية المفرطة، وفي إغراء الشهوات والرغبات، فليستعن الإنسان بالله، وليستنهض إرادته، ليواجه الشيطان بثقة ووعي.

يقول تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ‎﴿‏ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ [سورة النحل، الآيتان: 99-100].

«أَللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَكَيْدِهِ وَمَكَائِدِهِ، وَمِنَ الثِّقَةِ بِأَمَانِيِّهِ وَمَوَاعِيدِهِ وَغُرُورِهِ وَمَصَائِدِهِ».

مصادر الخطبة:
  1. الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ط2، 1413هـ.
  2. الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4، 1407هـ.
  3. المجلسي، الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، دار إحياء التراث، بيروت، ط2، 1403هـ.
  4. محسني، الشيخ محمد آصف، معجم الأحاديث المعتبرة، دار الأديان للنشر، طهران، ط1، 1434هـ.

 

خطبة الجمعة 12 ذو الحجة 1447هـ الموافق 29 مايو 2026م.

[1]  معجم الأحاديث المعتبرة، ج6، ص192، ح1.
[2]  الكافي، ج4، ص265، ح1.
[3]  من لا يحضره الفقيه، ج2، ص129، ح10.
[4]  بحار الأنوار، ج96، ص125، ح1.
[5]  بحار الأنوار، ج96، ص50، ح47.