المجتمع الإنساني بين الاشتراك والتمايز

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على نبينا محمدٍ وآله الطاهرين.

ورد عن أمير المؤمنين علي : «عَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصُلِ والتَّبَاذُلِ[1] ، وإِيَّاكُمْ والتَّدَابُرَ والتَّقَاطُعَ»[2] .

فطرةُ الإنسان السليمة، ووجدانه النقي، يدفعانه إلى الانفتاح على أبناء جنسه من الناس، مهما تنوّعت انتماءاتهم العِرقيّة أو القوميّة أو الدينيّة أو الفكريّة. فثمّة أخوّةٌ جامعة بين بني البشر، ولذلك يقول اللغويّون: إنّما سُمّي الإنسان إنسانًا لاشتقاقه من الأُنس، لأنّه يأنس بأخيه الإنسان.

التواصل والانفتاح فطرة إنسانية

ولو أنّ إنسانًا وُضع في جزيرةٍ نائية، تتوافر فيها كلّ متطلّبات الراحة والحياة، لكنها خالية من الآخرين، بحيث يعيش فيها وحده، لما طاب له ذلك؛ لأنّ تواصله مع أبناء جنسه يُشبع حاجةً عميقةً في أعماق نفسه. وقد جاء الدين ليشجّع هذه الحالة الفطريّة وينمّيها، وليحثّ الإنسان على الانفتاح على أخيه الإنسان.

يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا[سورة الحجرات، الآية: 13]

فالتعارف هنا يعني أن يتعرّف الإنسان على أخيه الإنسان، فردًا وجماعةً، وكمكوّناتٍ اجتماعيّة، وهو هدفٌ من أهداف التنوع في الخِلقة. غير أنّه قد يحصل أحيانًا أن تتغلّب على الإنسان نزعتُه الأنانيّة، فتصنع غبشًا وغبارًا على فطرته ووجدانه، وبدل أن يهتمّ بالعناصر المشتركة بينه وبين الآخرين، يبدأ بالبحث عمّا يختلف فيه معهم؛ لونًا، أو لغةً، أو دينًا، أو رأيًا.

وهذه الاختلافات في ذاتها أمورٌ طبيعيّة، بل لا يمكن أن تستمرّ حياة الإنسان ككائنٍ عاقلٍ مفكّرٍ من دون مساحةٍ من الاستقلال والتمايز بين بني البشر. فقد أراد الله سبحانه وتعالى أن تكون هناك دائرةٌ مشتركة بين الناس تتمثّل في تساويهم في إنسانيّتهم وبشريّتهم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ[سورة الأنعام، الآية: 98]

وفي الوقت نفسه، أراد أن يكون هناك تمايزٌ بين البشر يدفعهم إلى التنافس والتكامل.  فجعل لكلّ إنسان شخصيّته الخاصّة، وشكله المميّز، وصوته المختلف، بل إنّ العلم الحديث كشف أنّ عين كلّ إنسان لها بصمةٌ تختلف عن عين الآخر، وأنّ بصمة الإبهام مميّزة لكلّ فرد، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ[سورة القيامة، الآية: 4]

فالله تعالى أراد مساحةَ اشتراكٍ يلتقي فيها أبناء البشر، وهو تماثلهم في طبيعتهم البشرية، وتداخل مصالح حياتهم، وأراد في المقابل حالاتِ تميّزٍ تُنشئ الاستقلاليّة عند كلّ إنسان، وتفتح مجال التنافس البنّاء بينهم. لكنّ الخطأ يقع حين تتحوّل حالة التمايز، بدل أن تكون دافعًا للتكامل، إلى سببٍ للتنافر، نتيجة للأنانيّة المفرطة وسوء الفهم.

حريةُ الاعتقاد وحدودُ المسؤولية

فالإنسان المختلف معك في الدين، له دينه، وهو حرّ في انتمائه، ودينه بينه وبين ربّه. وليس هناك إنسانٌ مكلَّفٌ أو مخوَّلٌ أن يُحاسب الناس على أديانهم أو معتقداتهم؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ[سورة الغاشية، الآيتان: 25–26]

فمهمّة الإنسان المؤمن ليست أن يُحاسب الناس، بل أن يبلّغ ويُبيّن ويُقنع. فإذا كنت تعتقد أنّ رأيك هو الأصوب والأفضل، فحاول أن تُقنع الآخرين به بالحكمة والكلمة الطيّبة، فإن اقتنعوا فبها، وإن لم يقتنعوا فهم أحرار. لا تستطيع أن تفرض عليهم رأيك، بل حتى النبي الذي يبعثه الله برسالةٍ منه، وهي حقٌّ من الله، لم يُعطه الله حقّ فرض الإيمان على الناس.

البلاغُ والإقناع لا الإكراه

يقول تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ[سورة الشروى، الآية: 48]

ويقول تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ[سورة يونس، الآية: 99]

فالرسول «ص» لم يُبعث ليُكره الناس، وإنما ليُبصّرهم.

والإنسان العاقل الواعي هو الذي يبحث عن جهة الاشتراك بينه وبين الآخرين، بينما الإنسان الجاهل يفتّش دائمًا عن جهة الاختلاف.

لهذا نلاحظ أنّ المجتمعات المتحضّرة تكون فيها حالة الانفتاح أكبر، بينما المجتمعات المتخلّفة تكثر فيها الخلافات والنزاعات؛ بين القبائل، وبين العشائر، وبين الجماعات. ومع الأسف، نجد أنّ بعض مجتمعاتنا التي يُفترض أنّها مجتمعات متديّنة، منتمية إلى دينٍ يدعو إلى التعارف والانفتاح والتعاون، هي من أكثر المجتمعات خلافًا وتمزّقًا.

وإذا نظرنا إلى الظرف الذي تعيشه أمّتنا العربيّة والإسلاميّة اليوم، فإنّنا لا نكاد نجد بلدًا عربيًا أو إسلاميًا إلا وهو يعاني من النزاعات والصراعات. وهذا بحدّ ذاته مظهرٌ من مظاهر التخلّف، بل هو سببٌ رئيس في تكريسه واستمراره.

من هنا، نحن بحاجةٍ دائمة إلى التأكيد على الانفتاح على الآخر، والتعاون معه. صحيح أنّ الآخر قد يختار أحيانًا الانغلاق والانكفاء، لكن لا ينبغي لنا أن نماثله في ذلك، ولا أن ننحدر إلى المستوى نفسه.

قمّةُ الأخلاق الإنسانيّة

ولهذا جاءت النصوص الدينية تؤكّد هذا المعنى بوضوح، ومن ذلك قوله : «صِلْ مَنْ قَطَعَكَ»[3] .

فليس فخرًا أن تتواصل مع من يتواصل معك، فهذا أمرٌ طبيعي. إنّما الفخر الحقيقي أن تتواصل مع من قطعك، وأن تُحسن إلى من أساء إليك.

ورُوي عن الإمام جعفر الصادق أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهْلُ بَيْتِي أَبَوْا إِلَّا تَوَثُّباً عَلَيَّ وَقَطِيعَةً لِي وَشَتِيمَةً، فَأَرْفُضُهُمْ؟ قَالَ «إِذاً يَرْفُضَكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً» قَالَ: فَكَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ : «تَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ كَانَ لَكَ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ظَهِيرٌ»[4] .

أي أن الأخلاق الإنسانية الفاضلة تكون ظهيرًا وعونًا للإنسان في مواجهة تحدي الاختلاف الاجتماعي.

فالدين يربّي الإنسان على أن يطمح ليكون هو الأرقى أخلاقيًا وإنسانيًا، لا أن ينحدر إلى مستوى الإساءة. لذلك دعا القرآن الكريم إلى مقابلة السيئة بالحسنة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ[سورة فصلت، الآية: 34]

فإذا أساء إليك الآخر وأساءتَ إليه، فما الفرق بينك وبينه؟ لقد نزلتَ إلى المستوى الذي انحدر هو إليه. أمّا إذا أساء إليك وأحسنتَ إليه، فقد ارتقيتَ فوقه أخلاقيًا وإنسانيًا.

ورد عن الإمام موسى الكاظم : «مَا تَسَابَّ اِثْنَانِ إِلاَّ اِنْحَطَّ اَلْأَعْلَى إِلَى مَرْتَبَةِ اَلْأَسْفَلِ»[5] .

أي إنّ الإنسان إذا كان أرفع أخلاقًا، ثم قابل السبّ بالسبّ، فقد أسقط نفسه إلى المستوى الأدنى. لذلك فإنّ هذا المنهج يحتاج إلى وعي، وضبطٍ للأعصاب، وسيطرةٍ على الانفعالات.

ولهذا جاءت بعد الآية السابقة من سورة فصلت قوله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ[سورة فصلت، الآية: 35]؛ فهذا خُلُق لا يقدر عليه إلا أصحاب الحظّ العظيم من الوعي والإدراك والفهم. وقد ربّى النبي «ص» وأئمّة أهل البيت "عليهم السلام" أتباعهم على المبادرة إلى الانفتاح والتواصل مع الآخرين، حتى في أصعب الظروف.

وقد يُبدي بعض الناس إعراضًا أو جفاءً أو قسوةً في التعامل، لكن ذلك لا يبرّر أن نعاملهم بالطريقة نفسها. فالمنهج الأخلاقي الذي يربّي عليه الدين أسمى من ردود الأفعال الانفعاليّة.

جاء عن الحسين بن سعيد عن أبي علي في حديث قال: قلت لأبي عبد الله جعفر الصادق : إِنَّ لَنَا إِمَاماً مُخَالِفاً وَهُوَ يُبْغِضُ أَصْحَابَنَا كُلَّهُمْ فَقَالَ : «مَا عَلَيْكَ مِنْ قَوْلِهِ، وَاَللَّهِ لَئِنْ كُنْتَ صَادِقاً، لَأَنْتَ أَحَقُّ بِالْمَسْجِدِ مِنْهُ، فَكُنْ أَوَّلَ دَاخِلٍ، وَآخِرَ خَارِجٍ، وَأَحْسِنْ خُلُقَكَ مَعَ اَلنَّاسِ، وَقُلْ خَيْراً»[6] .

هذا الموقف يحتاج إلى وعيٍ عالٍ، وإلى ضبطٍ للنفس، وإلى أعصابٍ متماسكة، حتى يتحلّى الإنسان بهذه الروح.

لكن المشكلة أنّنا أحيانًا نختلف في قضيّةٍ جزئيّة، فنُضخّم هذه القضيّة، ونجعلها حاجزًا يمنعنا من الانفتاح، ويقطع جسور التواصل، مع أنّها لا تستحقّ كلّ هذا التشنّج.

المحافظة على روح الاحترام والتسامح

ومن نعم الله على مجتمعاتنا هذه الروح الطيّبة: روح التواصل، والتزاور، وهذه المجالس العامرة بالأخلاق، وبالكرم، وبالاحترام المتبادل.  إنّها نعمةٌ كبيرة أنعم الله تعالى بها عليكم، ونسأل الله أن يُعينكم على المحافظة عليها.

نعمة التواصل، ونعمة الاحترام المتبادل، وأن يحتمل بعضُنا بعضًا، حتى لو أخطأ، أو أساء، أو قصّر. لنُحقّق رضى الله، ولنحافظ على هذا المستوى الأخلاقيّ الجيّد في مجتمعنا.

وأتوجه بالشكر الجزيل للسادة الأعزاء آل الغافلي، وخاصة حبيبنا الدكتور السيد منصور الغافلي، على هذه الدعوة الكريمة، والحفاوة البالغة، وإتاحة الفرصة للّقاء بهذا الجمع الطيب، أسأل الله لهم ولكم جميعًا كل خير وتوفيق، والحمد لله رب العالمين.

مصادر المحاضرة:

  1. الألباني، محمد ناصر الدين، صحيح الترغيب، المكتب الإسلامي، بيروت، ط1، 1982م.
  2. الشريف الرضي، نهج البلاغة، تحقيق الدكتور صبحي الصالح، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط1، 1967م
  3. شيخ الطائفة الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام، دار وارث للطباعة والنشر، كربلاء، ط1، 1441هـ.
  4. الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4، 1407هـ.
  5. المجلسي، الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، دار إحياء التراث، بيروت، ط2.

رحلة الاحساء 19 شعبانرحلة الاحساء 19 شعبان

حسينية المهدية (السادة الغافلي)، قرية القارة بمحافظة الأحساء، مساء السبت 19 شعبان 1447هـ الموافق 7 فبراير 2026م.

[1]  التباذل: مداولة البذل: أي العطاء.
[2]  نهج البلاغة، من وصية له للحسن والحسين عليهما ‌السلام، لما ضربه ابن ملجم، رقم: 47.
[3]  الألباني، صحيح الترغيب، ح2467.
[4]  الكافي، ج2، ص150، ح2.
[5]  بحار الانوار، ج75، ص333.
[6]  تهذيب الأحكام، ج3، ص55، ح102.