الشيخ الصفار: التفكير ميزة الإنسان وطريقه لفهم الدين وتطوير الحياة
قال سماحة الشيخ حسن الصفار: إن التفكير يمثل الأداة الأساسية لحل المشكلات ومواجهة التحديات، وأن الإنسان بقدر ما يمارس التفكير ويُفعّل قدراته العقلية، يتمكن من اكتشاف الحقائق واستثمار خيرات الكون وتطوير حياته.
وتابع: إن مهارات التفكير ليست ثابتة، بل تنمو بالممارسة المستمرة، وتضعف بالإهمال، مشبهاً ذلك بالعضلات التي تزداد قوة بالتمرين وتضمر عند الكسل.
جاء ذلك ضمن خطبة الجمعة 14 ذو القعدة 1447هـ الموافق 1 مايو 2026م، في مسجد الرسالة بالقطيف شرقي السعودية بعنوان: عبادة التفكير عند الإمام الرضا
.
وأوضح سماحته أن التفكير هو منظومة من العمليات العقلية المعقّدة التي تجري في الدماغ، يتم من خلالها توظيف المهارات الذهنية لتحليل المعلومات، وتقويمها، والتمييز بين الصحيح والخطأ.
وأضاف: إن الإنسان يتعرض يوميًا لسيل كبير من المعلومات، ولا يمكنه التعامل معها بوعي إلا من خلال التفكير الذي يمنحه القدرة على الفرز والاستنتاج وفهم العلاقات بين الظواهر والأحداث.
وبيّن أن التفكير يمثل أهم وظيفة يقوم بها العقل، وهو النعمة الكبرى التي أنعم الله بها على الإنسان وميّزه بها عن سائر المخلوقات.
وتابع: إن تعطيل هذه النعمة أو إهمالها ينعكس سلبًا على مسار حياة الفرد والمجتمع.
واستشهد في هذا السياق بتأكيدات القرآن الكريم المتكررة على التفكر، مثل قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ و﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾، ما يعكس مركزية العقل في بناء الإيمان والوعي.
وأشار إلى أن مدرسة أهل البيت
أولت العقل مكانة محورية، مستشهدًا بما ورد عن الإمام علي بن موسى الرضا
من اعتباره التفكير جوهر العبادة: «إِنَّمَا الْعِبَادَةُ التَّفَكُّرُ فِي أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»، مبيناً أن المقصود بأمر الله هو سننه في الكون والحياة، ورسالاته لهداية البشر.
ولفت إلى أن جميع الناس يمتلكون قدرات عقلية، لكن التفاوت بينهم يعود إلى مقدار ما يمارسونه من تفكير واستثمار لهذه القدرات.
وفي سياق إبراز مكانة العقل في التراث الإسلامي، أوضح الشيخ الصفار أن أهم المصادر الحديثية لدى الشيعة تبدأ بكتاب العقل، مستشهداً بكتاب الكافي لمؤلفه الشيخ محمد بن يعقوب الكليني، الذي افتتحه بباب (العقل والجهل).
وتابع: وكذلك موسوعة بحار الأنوار لـلشيخ محمد باقر المجلسي التي سارت على النهج ذاته، في حين أن بعض كتب الحديث الأخرى تبدأ بأحاديث الإيمان دون إفراد باب مستقل للعقل.
وشدد على ضرورة فهم النصوص الدينية بعقل واعٍ، وعدم الاكتفاء بمجرد الحفظ والرواية دون إدراك المعاني.
وحذر من الانخداع بالمظاهر الدينية الشكلية، موضحًا أن التدين الحقيقي لا ينفصل عن التعقل، وأن الإنسان قد يكثر من العبادة لكنه يفتقد البصيرة، وهو ما يقلل من قيمة عمله.
واستشهد بأحاديث نبوية وروايات عن أهل البيت تؤكد أن منزلة الإنسان عند الله ترتبط بمقدار استخدامه لعقله، «إِنَّ الثَّوابَ عَلَى قَدرِ العَقلِ».
وفي البعد الاجتماعي، أشار الشيخ الصفار إلى أن العقل يرشد الإنسان إلى بناء علاقات متوازنة قائمة على الودّ والتفاهم.
واستشهد بما ورد عن الإمام الرضا
: «التَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ نِصْفُ الْعَقْلِ»، مؤكدًا أن التفكير السليم ينعكس إيجابًا على السلوك الاجتماعي.
وأشار إلى أهمية مراجعة الإنسان لنفسه، معتبرًا أن التفكير يمثل مرآة يرى فيها الإنسان عيوبه ومحاسنه، ما يساعده على تقويم شخصيته وتطوير أدائه، وعدم الاسترسال في مسار الحياة دون وعي أو محاسبة.
وحذر من التحديات التي يفرضها التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أن الاعتماد المفرط على هذه التقنيات قد يؤدي إلى حالة من الكسل الفكري والتقاعس عن إعمال العقل.
واختتم بالتأكيد على ضرورة استحضار مقولة الإمام الرضا
: «إِنَّمَا الْعِبَادَةُ التَّفَكُّرُ»، باعتبارها قاعدة أساسية لتعزيز وعي الإنسان، وتنشيط دوره العقلي في مختلف شؤون الدين والحياة، ومواجهة تحديات العصر بروح واعية ومسؤولة.






