الشيخ الصفار: الصيام تدريب على الانضباط في السلوك
أكد سماحة الشيخ حسن الصفار أن فريضة الصيام تمثل محطة تربوية لتدريب الإنسان على التحكم في رغباته، بإرادة ذاتية، وتحرره من هيمنة النمط السلوكي المألوف.
وتابع: إن أهم خطر يهدد مسار حياة الإنسان، هو أن يسلّم قياده لرغباته وشهواته، فيستجيب لكل ما تميل إليه نفسه، وتمليه عليه رغبته وهواه.
جاء ذلك ضمن خطبة الجمعة 3 رمضان 1447هـ الموافق 20 فبراير 2026م، في مسجد الرسالة بالقطيف شرقي السعودية بعنوان: رسالة الصيام ترويض الرغبات.
وأشار إلى أن الصوم العبادي ينبغي أن يكون مقدمة لصوم سلوكي دائم عن الحرام والمعصية، مبينًا أن الاكتفاء بالشكل الظاهري للعبادة دون انعكاسها على السلوك والأخلاق يعني إفراغها من مضمونها الحقيقي.
واعتبر أن هذه هي الغاية الحقيقية والثمرة المرجوة من عبادة الصوم، حيث ينتقل الإنسان من الامتناع المؤقت عن المباحات إلى بناء حصانة داخلية ضد الوقوع في المحرمات.
وشدد على أن قيمة الصيام تكمن في أثره التربوي العميق، وفي قدرته على إحداث تحول مستدام في شخصية الإنسان، يجعله أكثر وعيًا وانضباطًا وتقوى.
وأبان أن امتلاك القدرة على مخالفة الرغبات والتمرد على سلطان العادات يمنح الإنسان قوة الإرادة والانضباط السلوكي، ويعزز قدرته على مواجهة دواعي الشهوات والأهواء.
ومضى يقول: في هذا العصر تشتد ضراوة الرغبات وعنفوانها في نفس الإنسان المعاصر، بفعل الثقافة المادية السائدة التي تدفع للتمرد على القيم، بعنوان الحرية الشخصية، وتُشجّع على الاستجابة لمختلف الرغبات.
وتابع: لقد أصبحت إثارة الشهوات تجارة رائجة، تُسوّقها وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي، عبر الأساليب الجاذبة المؤثرة.
وأوضح أن الصوم الذي يمنع الإنسان من الاستجابة لرغبة الأكل والشرب والجنس، إنما يهدف إلى تقوية إرادته حتى لا ينساق وراء أي رغبة محرمة.
وتابع: إن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل الصوم من ممارسة وقتية إلى منهج دائم في الانضباط السلوكي.
وتطرق إلى واقع الانفتاح المتزايد بين الجنسين في ميادين العمل والحياة العامة، مبينًا أن ذلك يحمّل الرجل والمرأة معًا مسؤولية مضاعفة في حفظ الحدود الشرعية والأخلاقية.
ودعا إلى تجنب النظرات الشهوانية، والابتعاد عن المحادثات ذات الطابع العاطفي المريب، وعدم السماح للنفس بالانجرار إلى أشكال من التواصل قد تقود إلى عواقب غير محمودة.
وشدد على أن ثمرة الصيام الحقيقية تتمثل في بناء وازع داخلي يضبط السلوك، ويجعل الإنسان أكثر وعيًا بمسؤوليته الدينية والأخلاقية، بحيث يكون امتناعه عن الحرام نابعًا من قناعة راسخة وإرادة قوية، لا من ظرف مؤقت أو رقابة خارجية.
وبيّن أن الله فرض عبادة الصيام على المؤمنين بالله ورسالاته، في جميع العصور.
واستشهد بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. مبينًا أن توقيته أو مدته أو أحكامه قد يختلف من شريعة إلى أخرى.
وتابع: في الكتب المقدسة المتداولة اليوم لليهود والمسيحيين، من العهد القديم (التوراة) والعهد الجديد (الإنجيل) نصوص تشير إلى عبادة الصيام في شرائعهم، وهو ما تتم ممارسته إلى الآن في أوساط الملتزمين من اليهود والمسيحيين.
وأضاف: وفي الشريعة الإسلامية وهي خاتمة الشرائع الإلهية، مساحة كبيرة من الاهتمام بعبادة الصيام، على مستوى الوجوب والاستحباب، حيث وردت نصوص كثيرة في التأكيد على هذه العبادة، وتبيين فضلها، وعظيم ثوابها عند الله سبحانه.
ولفت إلى أن الاهتمام الإلهي بعبادة الصيام، يعني أهمية الوظيفة التي تؤديها هذه العبادة في شخصية الإنسان، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فالتقوى هي غاية الصيام، والنتيجة التي ينبغي أن تتحقق من خلاله.






