الشيخ حسن الصفّار يستحضر سيرة العلامة السيد علي السلمان في مجلس تأبيني مهيب
كعادته، لا يترك سماحة الشيخ حسن الصفّار مناسبةً تمسّ الوجدان الجمعي إلا وكان حاضرًا فيها مبادرًا، مستشعرًا مسؤوليته الدينية والاجتماعية، ومؤكدًا حضوره بوصفه صوتًا جامعًا وضميرًا حيًا في لحظات الفقد كما في لحظات الأمل.
وفي مساء يوم الجمعة، ليلة السبت ٣٠ يناير ٢٠٢٦م، احتشدت فيه القلوب قبل المقاعد، أقام سماحته مجلسًا تأبينيًا للعلامة الراحل السيد علي السلمان، في مجلس المقابي بمحافظة القطيف، بحضور لافت عكس مكانة الفقيد في النفوس، وتقدّم الجمعَ أبناؤه وأحفاده، إلى جانب نخبة من العلماء والوجهاء والمثقفين وأبناء المجتمع على اختلاف أطيافهم.
ولم يكن المجلس مجرّد وقفة عزاء، بل شهادة جماعية على سيرة رجلٍ اتّسعت حكمته للجميع، وتجلّت أخلاقه في أحلك الظروف، حتى وُصف بحق بـ ( فقيد الوطن ) و (الكهف الحصين)، لما مثّله من ملاذٍ آمن، ومرجعية أخلاقية جمعت بين التقوى الواعية والانفتاح المسؤول، وبين الحكمة وحسن الصحبة، فوحّد الكلمة واحتوى الخلاف.
وأدار فقرات المجلس الأستاذ عبد الباري الدخيل، بحضورٍ هادئ وتنظيمٍ متزن، أسهم في منح الجلسة إيقاعها الوقور، وترك المجال للكلمات لتأخذ مداها الطبيعي، بما ينسجم مع جلال المناسبة وهيبة المقام.
وتوالت الكلمات التي استحضرت ملامح تلك السيرة العطرة، حيث أضاء الشيخ يوسف العيد جانبًا مهمًا من حياة الفقيد، متوقفًا عند هجرته المباركة من الأحساء إلى الدمام، تلك الهجرة التي لم تكن انتقال مكان فحسب، بل انتقال رسالة، حمل فيها العلم والحكمة والبصيرة، وأسهم من خلالها في تأسيس مرحلة جديدة من الوعي الديني والاجتماعي. وقد جسّد السيد الراحل معنى الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، فقرأ المجتمع بعمق، واحترم تنوّعه، وبنى جسور الثقة مع مختلف مكوّناته.
ولم تغب عن الذاكرة مواقفه في إدارة الأزمات، حيث استُحضرت حكمته الأبوية في حادثة مسجد العنود عام ٢٠١٥م، حين كانت قراراته وتوجيهاته سببًا في حفظ الأرواح، في موقف يعكس استشعارًا عاليًا للمسؤولية الوطنية والإنسانية.
ومن داخل البيت، جاءت كلمة المهندس السيد مرتضى السلمان، حفيد الفقيد، محمّلة بالعاطفة والوفاء، كاشفة عن عمق العلاقة التي ربطت جده بسماحة الشيخ حسن الصفّار، حتى بدا الشيخ في نظره (صاحب العزاء) قبل أن يكون منظم المجلس. واستعاد مشاهد تلك الصحبة الخاصة، واللقاءات المتكررة، والاحترام المتبادل الذي جمع الرجلين، واصفًا مبادرة الشيخ الصفّار بأنها وقفة وفاء صادقة لأستاذه ورفيق دربه، ونموذجًا للعلاقة التكاملية بين العلماء.
كما قدّم صورة قريبة للمنهج التربوي الذي عاش عليه السيد الراحل، منهج التقوى الشاملة التي لا تنغلق في زاوية العبادة، بل تنفتح بوعي على المجتمع، وتؤسس علاقاتها على حسن الصحبة، ومعرفة الرجال، والتعامل بروح الأب المشفق، فكان مجلسه مفتوحًا للجميع بلا تمييز.
وفي لحظة شعرية امتزج فيها الحزن بالجمال، ألقى الشاعر الأستاذ أحمد اللويم قصيدته ( فراغ فجائي ، فلامس القلوب، واستعاد ذكريات الطفولة والصبا، حين كانت طلة السيد الراحل تبث الطمأنينة بتواضعها ووقارها، فجاء الشعر ليقول ما تعجز عنه العبارة في وداع القامات الكبيرة.
أما الخطيب الملا حسين الفضل، فقد ركّز على البعد الأخلاقي في شخصية الفقيد، واصفًا إياه بالملاذ الآمن في أوقات الشدة، حيث كان الناس يجدون عنده السكينة لا الخوف، والطمأنينة لا الترهّب. وأكد أن الخسارة، وإن كانت كبيرة برحيل هذه القامة، إلا أن العزاء يكمن في الأثر الباقي، والنهج المعتدل، والذرية الصالحة التي تمثّل امتدادًا طبيعيًا لتلك المسيرة المباركة.
هكذا كان المجلس، مشهدًا إنسانيًا جامعًا، اختلط فيه الحزن بالامتنان، ليؤكد أن الرجال الكبار لا يرحلون برحيل أجسادهم، بل يبقون بما زرعوه من قيم، وما تركوه من أثر، وما شيّدوه من جسور محبة ووحدة في وجدان المجتمع.









