الشيخ الصفار: البعد الروحي يحمي الإنسان من الأزمات النفسية
قال سماحة الشيخ حسن الصفّار: إن البعد الروحي هو الركيزة الأساسية لتحقيق التوازن في حياة الإنسان.
وتابع: إن الاكتفاء بالمكاسب المادية، دون تغذية الروح والوجدان، يدفع الإنسان إلى دوّامة من القلق والاضطراب وفقدان المعنى.
جاء ذلك ضمن خطبة الجمعة 11 شعبان 1447هـ الموافق 30 يناير 2026م، في مسجد الرسالة بالقطيف شرقي السعودية بعنوان: الثراء الروحي وجودة الحياة.
وأوضح سماحته أن الإنسان يسعى لتحقيق جودة حياته عن طريق تحصيل الثراء المادي، بأن يكسب المال ويحوز الإمكانات، ليوفر مستلزمات معيشته، ويرتقي بحياته إلى المستوى الأفضل.
وتابع: لكن هناك أبعادًا في شخصية الإنسان وفي طبيعة الحياة، تتجاوز معادلة الإمكانات المادية، فحتى لو توفر للإنسان المال وعلى أي مستوى كان، فإنه لا يملأ الفراغ في تلك الأبعاد، ولا يعالج كل تحديات الحياة.
وأضاف: حيث تواجه الإنسان أسئلة مصيرية عن وجوده وعن معنى حياته، ومستقبله بعد هذه الحياة، ويعيش قلق الإجابة على هذه الأسئلة، والتعامل معها.
وأبان أن المجتمعات المعاصرة تعاني تصاعدًا مقلقًا في الأزمات النفسية، كالقلق والاكتئاب والاغتراب النفسي، إلى جانب تنامي حالات الانتحار والإدمان والعنف، معتبرًا ذلك نتيجة مباشرة لفراغ روحي عميق رغم التقدّم الحضاري المادي.
وقال إن هذه الأزمات تعني أن الإمكانات والثراء المادي وحده لا يحقق للإنسان جودة الحياة، إنه مهم لإدارة وجودة جانب من الحياة، ويبقى الجانب الآخر والذي لا تتحقق جودة كاملة للحياة بدونه.
وبيّن أن الجانب المهم في حياة الإنسان هو الجانب المرتبط بالروح والنفس، فلو توفرت للإنسان أعلى معدلات الثراء المادي، لكنه يفتقد الاطمئنان والاستقرار والأمن الروحي والنفسي، فإنه لا يمكن أن يعيش حياة سعيدة جيدة.
وتابع: حين يجري الحديث عن مؤشرات جودة الحياة، ومستوى ارتقاء المعيشة في المجتمعات البشرية المعاصرة، فإن المجتمعات الغربية تأخذ موقع الصدارة في معظم المؤشرات، ضمن المقاييس والمعايير المعتمدة دولياً
وأضاف: إلا أن هناك ثغرات ومناطق خلل في الحياة الغربية، يتحدث عنها الباحثون والمفكرون من أبنائها، وتكشفها الأرقام والإحصاءات، والحقائق المنشورة، عن أوضاع مجتمعاتهم، لكنه عادة ما يقل التركيز عليها والحديث عنها.
ولفت إلى أن هذه الثغرات تنطلق في الأساس من حالة الجفاف والتصحر الروحي، لأن الحياة عندهم تتمحور حول الذات والاهتمامات المادية، والرغبات الجسمية، مع تجاهل البعد الروحي في شخصية الإنسان.
ومضى يقول: يتميز الإنسان عن سائر المخلوقات بالبعد الروحي، فهو كائن عاقل ينطوي على ضمير ووجدان، ومشاعر وأحاسيس، فإذا تجاهل كل ذلك، وانحصر اهتمامه بالبعد المادي، فإنه ينفصل عن البعد الأهم في وجوده، ويعيش اغترابًا عن ذاته.
وتابع: إن البعد الروحي هو الذي يحقق التوازن في حياة الإنسان، حيث يوجهه إلى أعماق نفسه، فيفكر في مبدئه ووجوده، وغاية خلقته، ومصير حياته، وموقعه في هذا الكون والحياة، وحينئذ يخرج من دوامة الرغبات المادية إلى أفق أرحب.
وأضاف: إن الجفاف والتصحّر الروحي هو ما تعاني منه المجتمعات المعاصرة حيث تنتشر الأزمات النفسية، كالقلق والاكتئاب، والاغتراب النفسي، وانفصام الشخصية، وسائر ما يطلق عليه أمراض العصر، كما تتصاعد أرقام حالات الانتحار والادمان على المخدرات، وحوادث العنف الناشئة من الأزمات النفسية.
وذكر ما أشارت إليه الإحصاءات حول الانتحار والاكتئاب، فهناك أكثر من 720,000 شخص يموتون بسبب الانتحار كل عام. وفي كل 40 ثانية هناك شخص يفقد حياته في العالم بسبب الانتحار، ويحاول الانتحار قرابة 16 مليون شخص سنوياً. ويعاني نحو 332 مليون شخص على مستوى العالم من الاكتئاب حسب منظمة الصحة العالمية.
وقال سماحته: إذا كنّا نتطلع لما حققته تلك المجتمعات من جودة الحياة في المجالات المتقدمة لديهم، فإن علينا أن نتلافى هذه السلبيات التي يشتكون هم منها.
وتابع: علينا ألا نفقد الميزة المهمة في مجتمعاتنا، وهي الثراء الروحي، حيث يشعر الإنسان بالثقة والاطمئنان النفسي من خلال إيمانه بالله تعالى، وانفتاحه عليه، وثقته به، ويتطلع إلى رضاه وعظيم ثوابه فيما بعد الحياة.
وأضاف: إلى جانب المعرفة والوعي، تقوم البرامج الروحية العبادية بدور أساس، في تعميق وتفعيل البعد الروحي في شخصية الإنسان، لكي ينعكس على سلوكه ومواقفه.
وذكر أن من أبرز تلك البرامج الروحية التربوية، الأدعية والمناجيات، التي رويت عن النبي
والأئمة الهداة من أهل بيته
.
وأشار إلى المناجاة الشعبانية، التي رويت عن أمير المؤمنين علي
، وورد أن الأئمة
من ولده، كانوا يدعون بها في شهر شعبان.
وقال: إنها تلهم الإنسان كثيرًا من معاني الإيمان، وتربيه على التخاطب والتحادث المباشر مع ربه، ليبوح له بمشاعره وأحاسيسه، ويعرض هواجسه وما يثير قلقه من أزمات الدنيا، وما ينتظره من مصير مجهول في الآخرة.
وتابع: حين يلجأ الإنسان إلى ربه، فإن نفسه تصبح عامرة بالتفاؤل والأمل، لأنه يطلب حاجته من رب قادر كريم رحيم. حتى وإن كان الإنسان لا يرى نفسه بسبب ذنوبه وتقصيره أهلًا لاستجابة ربه إليه.






