الكفاية الإقتصادية للمواطنين في دولة الإمام علي ( عليه السلام )

مكتب الشيخ حسن الصفار
بمناسبة قرب حلول عيد غدير خم تحدث سماحة الشيخ حسن الصفار في كلمته اليوم الجمعة الموافق 15 ذو الحجة 1424هـ (6 فبراير 2004م) حول نهج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في الحكم وسياسته الاقتصادية.

وقال سماحته في بداية الكلمة: إننا في ذكرى الغدير نجدد العهد بما نعتقده من إمامة وولاية أمير المؤمنين ، وذلك ثابتٌ لدينا من جوانب عديدة:

أولاً- النص الشرعي الذي قادنا للاعتقاد بولاية الإمام علي ، كحديث غدير خم، وهو ثابتٌ عند علماء المسلمين السنة والشيعة، ولكن يختلف بقية المسلمين عنا في فهم الحديث، فلهم رأيهم ولنا رأينا الذي نتعبد الله تعالى به.

ثانياً- سيرة الإمام علي وتاريخ حياته، والصفات التي تميّز بها جعلتنا نؤمن بأفضليته على من عداه، وإذا كان لغيرنا رأيٌ آخر فهم أحرارٌ فيما يعتقدون به.

ثالثاً- فترة تولي الإمام للحكم، مع أنها كانت فترةً بسيطة ومحدودة، إلا أن الإمام استطاع في هذه الفترة أن يسجل تطبيقاً كاملاً للحكم في الإسلام، ونموذجاً يطمح إليه كل إنسانٍ يهدف العدل والمساواة.

وتحدث سماحة الشيخ عن جوانب مشرقة من حياة الإمام علي يتجلى فيها عمق الإحساس المرهف تجاه مال المسلمين العام، وأورد سماحته كلماتٍ عظيمة للإمام علي وهو يتحدث عن حال المسلمين خلال خلافته المباركة، ومن تلك الكلمات قوله في أواخر حياته: «ما أصبح بالكوفة أحدٌ إلا ناعماً، إن أدناهم رتبةً ليأكل من البر، ويجلس في الظل، ويشرب من ماء الفرات.»

والكوفة في ذلك الوقت كانت مصراً عظيماً وكثافتها السكانية واسعة، وفيها من مختلف القوميات والأعراق؛ وكلّهم –وبشهادة الإمام علي - يعيشون حياةً ناعمة، ويتوفر لهم مقومات الحياة الكريمة.

«وفي رواية أخرى أن الإمام علي كان في يومٍ من الأيام يسير ومعه خازن بيت المال علي بن أبي رافع، فلاحظ الإمام شيخاً كبيراً يستجدي الناس فوقف الإمام تجاه هذا المنظر الغريب! والتفت إلى ابن أبي رافع، قائلاً له: ما هذا؟ -مستنكراً الحالة التي عليها الرجل- قال يا أمير المؤمنين هذا نصراني. فغضب الإمام، وقال: استخدمتموه حتى أفنيتم شبابه، فلما شاخ وكبر تركتموه يستجدي الناس في الشارع، عيّن له عطاءً من بيت المال. »

«وفي روايةٍ أخرى تقول أن الناس قد دخلوا على علي قبل استشهاده بيوم فشهدوا جميعهم بأن علياً وفر فيئهم وأتاح لهم سبل الحياة الكريمة.»

هذا الرفاه الذي كان ينعم به أهل الكوفة في عهد أمير المؤمنين يدلنا على أن السياسة الحكيمة لأهل البيت إذا أصبحت هي السياسة المعمول بها في الدنيا وفي المجتمع الإسلامي فإن النتيجة تكون كهذه النتيجة؛ بينما السياسات الأخرى تكون نتائجها نتائج أخرى.

وهذا الأمر إضافةً لكونه دليلاً على عظمة الإمام علي ، فإنه يعيننا على دراسة واقعنا نحن المسلمين في العصر الحاضر.

هكذا كان الإمام علي في سياسته الاقتصادية في الحكم. ولكن كيف يعيش المسلمون الآن؟ إن المسلمين يعيشون في أدنى المستويات في جميع الأمور، والإحصائيات تثبت أن المسلمين في المستوى المعرفي والعلمي والاقتصادي في أواخر القائمة.

وأشار سماحة الشيخ إلى الكتابات التي كتبها الكتاب الغربيون حول وضع العراق بعد سقوط الطاغية صدام، وكذلك نقولات الذين ذهبوا إلى العراق وشاهدوا الوضع عن قرب، كيف أن الناس هناك يعيشون الفقر والحاجة، في بلدٍ ثرواته طائلة، وإمكانياته كبيرة.

لماذا يكون وضع المسلمين هكذا؟ هل لقلة الثروات والإمكانات في بلاد المسلمين؟ يجيب سماحة الشيخ على ذلك بقوله: هناك عدة أسباب:

أولاً- أخطاء المناهج والبرامج الاقتصادية.

ثانياً- ضعف فاعلية الناس للعمل والإنتاج.

ثالثاً- الفساد المالي بثروات البلاد الإسلامية.


واعتبر سماحة الشيخ الأمر الأخير هو السبب الرئيس وراء تخلف المسلين. وطرح نموذجاً واضحاً في ذلك يتمثل في السياسة الحمقاء التي كان يتبعها الطاغية صدام، إذ تلاعب بخيرات العراق حتى جعل أهلها يستجدون المناطق والدول المجاورة من أجل لقمة العيش مع ما في العراق من الخيرات والثروات الهائلة.

وأكد سماحة الشيخ على ضرورة السير وفق منهج الإمام علي وسياسته الاقتصادية لجميع من يقع تحت تصرفه المال العام، وأن ينهل من علي حساسيته المرهفة تجاه مال المسلمين.

وذكر سماحة الشيخ نماذج من حياة الإمام علي تتجلى فيها حساسيته المرهفة تجاه المال العام، ومن ذلك كتابه إلى عثمان بن حنيف إذ يقول : «ألا وإن لكل مأمومٍ إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه، ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياكم بطمريه، ومن طعمه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورعٍ واجتهاد، وعفةٍ وسداد، فو الله ما حزت من دنياكم تبراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً، ولا ادخرت من غنائمها وفراً، أما لو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، أو يقودني طمعي إلى تخير الأطعمة، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا عهد له بالشبع، ولا طمع له في القرص.»

«وفي رواية أخرى يأتي له زوج ابنته عبد الله بن جعفر ويقول للإمام : يا عم ليس لي طعام إلا أن أبيع علف دابتي، فأعطني من بيت المال. قال الإمام : انتظر عطاءك. فقال له: أنا محتاج. فقال : لا أجد إلا أن تأمر عمك أن يسرق فيعطيك.

وقصته مع أخيه عقيل معروفة حيث ألحّ عقيل بطلب مالٍ إضافي لحاجته، فرفض الإمام ذلك، وأحمى له حديدة، فأنّ عقيلٌ من حرارتها، فقال له الإمام : أتجزع من نارٍ أحماها إنسانها للعبه، وتجرني إلى نارٍ سجّرها جبارها لغضبه؟ أتئن من الأذى ولا أئن من لظى؟.»


وأعقب سماحته ذلك بقوله: لو كان لدى الحكام شيءٌ من هذه الحساسية المرهفة تجاه المال العام، لما عاش المسلمون هذا الوضع المزري المأساوي وهم يمتلكون ما شاء الله من الثروات والأموال.

وأضاف سماحة الشيخ إن الحساسية تجاه المال العام لا تخص الحكام، بل العلماء الذين ترد إليهم الحقوق الشرعية يجب أن تكون لديهم حساسية تجاه المال الذي يكون بحوزتهم فهو للمسلمين ولا يجوز التصرف بشيءٍ منه إلا في المصارف الشرعية له، وإلا فهو غصبٌ ونهب، وحرام، ومحاسبٌ عليه أمام الله تعالى يوم القيامة.

وأضاف سماحته إن على كل إنسان بيده تصرف في المال العام يجب أن تكون لديه حساسية تجاه هذا المال.

وقل سماحته: مع الأسف هناك فسادٌ في الذمم والضمائر، إذ أن بعض الموظفين الذين يكون تحت يدهم بعض الصلاحيات تجدهم يتعاملون مع الثروات تعاملاً سيئاً، وما يهمهم هو عدم اكتشاف أمرهم. وهذا بالطبع حرام شرعاً وسيحاسبهم الله عن ذلك يوم القيامة.

وفي ختام كلمته دعا سماحته الجميع إلى ضرورة الاستفادة من ذكرى أمير المؤمنين في تنمية المشاعر المرهفة والحساسية تجاه المال العام، وتجاه مصالح الأمة، وأن نسير في نهج أمير المؤمنين .


والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمدٍ وآله الطاهرين.