إتقان العمل

الشيخ حسن الصفار *
قال الله العظيم في كتابه الحكيم: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ[1] .

صدق الله العلي العظيم

أهمية الإتقان:

في هذا العصر يشتد السباق بين الدول على التقدم والتفوق، وكان هذا السباق والتنافس طوال تاريخ البشر، إلا أنه في هذا العصر أصبح أشد وتيرة وأكثر تأثيراً على حياة المجتمعات والشعوب، وكل أمة من أمم الأرض الآن تفكر دائماً في تطوير مستواها من أجل أن تحافظ على موقعها، ومن أجل أن تنافس الأمم المتقدمة عليها. ولا يمكن لأمة أن تتطور أو تتقدم إلا إذا سادت في أجوائها قيمة الإتقان في العمل. ومن دون هذه القيمة لا يمكن لأمة أن تتقدم.

ففي هذا العالم نجد أن بعض الأمم وبعض الدول تتقدم وتتفوق وتهيمن وتزداد هيمنة يوماً بعد آخر.. ولكن ما سر هذا التقدم وما سر هذه الهيمنة؟

لو بحثنا لوجدنا أن السر الأكبر يكمن في سيادة هذه القيمة في حياة تلك الأمة. فإتقان العمل في مختلف مجالات الحياة، في العمل السياسي، والعمل الثقافي والاجتماعي والاقتصادي وفي مختلف المجالات. ومحصلة الحالة العامة للإتقان هي هذا التقدم والتطور الذي يعيشونه في حياتهم.

ما تعريف الإتقان؟

إتقان العمل يعني ما يلي:

أولاً: أداء العمل دون خلل فيه.
ثانياً: الالتزام بمتطلبات ذلك العمل من التقيد بضوابط وتقنيات معينة.
ثالثاً: أداؤه في الوقت المحدد دون تأخير.
رابعاً: التفكير في تطوير ذلك العمل حتى لا يبقى العمل ضمن مستوى جامد.


هذا ما نقصده من إتقان العمل.

أسباب إتقان الإنسان لأعماله:

ما هي العوامل التي تجعل بعض الأفراد يتقنون أعمالهم، بينما يكون مستوى أداء آخرين في أعمالهم متدنياً في مختلف المجالات؟

أنت تلاحظ شخصاً يأتي ليدير مدرسة فيضبط الوضع فيها في التعاطي مع المدرسين والطلاب، وتسيير أمور المدرسة، ومراقبة السلوك العام للطلبة، فيتقن عمله في ذلك كله. وقد يأتي مدير آخر إلى نفس المدرسة فتبدأ الأمور تتسيب والفوضى تدب في أوضاع تلك المدرسة، وهذا الأمر ينطبق على دائرة من الدوائر، وكذا البيت ففي بعض الأحيان رب البيت يسير أمور بيته وعائلته بإتقان بينما تجد شخصاً آخر تعيش عائلته الفوضى ويكون وضع بيته متسيباً، كما يشمل ذلك الحياة الشخصية فهناك أشخاص حياتهم مرتبة ومنظمة، وبعض الأشخاص كما يقول القرآن الحكيم ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا[2]  أي من دون تنظيم أو ترتيب.

إذن هناك أفراد يتقنون القيام بعملهم في أي موقع من المواقع، وهناك أفراد لا يتقنون القيام بأعمالهم، ما هي العوامل وما هي الأسباب؟

نشير إلى أهم تلك الأسباب والعوامل:

السبب الأول: تركز قدسية العمل في نفوس الأفراد:
بعض الأفراد ينشئون في أسرة إلى جانبها ثقافة سائدة في أجوائهم، كلاهما تربيان على أهمية العمل وعلى قدسيته، ولذلك ينشأ الإنسان على حب العمل فتنشأ علاقة داخلية بينه وبين عمله، فيمارس العمل كعاشق للعمل وهاوٍ له وراغب فيه. بينما بعض الأشخاص بالعكس من ذلك، إما لسوء تربيته أو لسوء ثقافته، فتراه يمارس العمل كحالة اضطرارية مثل من يشرب الدواء مثلاً، أو كما يعبر القرآن الكريم: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ[3] ، يمارس العمل مضطراً ويريد متى يستريح منه كأنه حمل ثقيل محمول على ظهره متى يتخلص منه.

وإذا راجعنا التعاليم الإسلامية نرى أن الإسلام يربي أبناءه على حب العمل، وعلى الرغبة فيه، فالإنسان أصلاً إنما جاء إلى الدنيا من أجل أن يعمل وأي لحظة تمر عليه من دون عمل فهي لحظة ضائعة سيندم عليها في حياته كما سيندم عليها يوم القيامة؛ لذلك تجدون القرآن الكريم حينما يتحدث عن المؤمنين يقرن دائماً الإيمان بالعمل الصالح ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ[4]  إذا لم يوجد عمل فالإيمان النظري المجرد لا فائدة فيه ولا قيمة له: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا تجد آية في القرآن تتحدث عن الإيمان إلا وتقرنه بالعمل الصالح.

ويقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب : « العمل شعار المؤمن ».

وفي كلمة أخرى لأمير المؤمنين علي ابن أبي طالب يقول:« في كل وقت عمل ».

لا يوجد وقت من الأوقات تعيشه في فراغ أو ضياع، بل في كل وقت له عمل مناسب له.

وهل هناك حث على العمل كقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ[5]  فهو أمر بالعمل، وإخبار باطلاع الله عز وجل عليه.

كما ينهى الإسلام عن الكسل في العمل، يقول الإمام الصادق : « الكسل يضر بالدين والدنيا »[6]  الإنسان الكسول يضر دينه ويضر دنياه.

وفي رواية أخرى: « إياك والكسل والضجر فإنهما مفتاح كل شر » [7] .

بعض الناس يتصور أن العمل يتعبه وهو يريد أن يرتاح، ويتصور أن الأفضل لجسمه ألا يعمل ولا يشتغل، بينما العلم يثبت العكس، والطب يقول عكس ذلك، والروايات عندنا تؤكد العكس.

أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول: « من يعمل يزدد قوة ومن قصر في العمل يزدد فترة » .

وللعمل تأثير على الحالة النفسية، فمن يعمل ترتاح نفسياً ويكون أكثر انفتاحاً، بينما الإنسان المتقاعس عن العمل بسبب الفراغ يعيش القلق والهموم والغموم؛ لذلك يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب : « من قصر في العمل ابتلي بالهم » [8] .

والروايات عندنا كثيرة التي تشوق الإنسان للعمل وتدفعه باتجاهه.

وهنا ملاحظة مهمة:

ليس العمل بمقدار الحاجة، فأنت لا تعمل بمقدار حاجتك فقط ولا بمقدار الضرورة فقط، وإنما العمل بمقدار ما تستطيع أن تعمل وإن كان أكثر من حاجتك. وهناك روايات تعطي للعمل قيمة ذاتية:

ففي الحديث المروي عن رسول الله : « إن قامت على أحدكم القيامة وفي يده فسلة فليغرسها » [9] . القيامة قائمة، فَلِمَ غَرْسُها؟

ما ذلك إلا لأن العمل في حد ذاته مقدس في نظر الإسلام.

وقد تعجب أحدهم من أبي جعفر محمد الباقر عليهما السلام لأنه رآه وقت الظهيرة يعمل في بستان له وهو يتصبب عرقاً، فالتفت الإمام وقال: « إن لي من يكفيني من غلماني، ولكن أحب أن يراني الله وأنا أعمل من أجل لقمة العيش » .

وكانت حياتنا السابقة تربي الولد على العمل، فقد كان الولد يذهب مع أبيه في شغله في دكانه أو مزرعته، ولداً كان أم بنتاً أو امرأة. لكن مع تطورات الحياة أصبح الأب يفتخر بأنه يريح أولاده، ولم يعلم أن هذا يضرهم، لأن الولد إن لم يمارس الحياة فلن تصبح عنده تجربة.

كما أن بعض الشباب مع الأسف يستمرئون هذه الحالة، فيبقى نائماً في البيت بينما أبوه يشتري لوازم الأسرة.

ومع وجود السيولة المالية أصبحنا نعتمد على الآخرين في أبسط الأمور، فيستلقي لمشاهدة التلفزيون وينادي الخادمة لتأتي له بالماء مثلاً. فيتربى مترفاً يميل إلى الراحة، فلا يستطيع أن يواجه أي مشكلة من مشاكل العمل التي تواجهه، بل ينهزم وينهار أمامها، ويريد عملاً مريحاً في مكتب تحت ظل مكيف بالقرب من بيته، وإذا لم يجد عملاً بهذه المواصفات يقول: لا يوجد عمل. بينما تتطلب الحياة من الإنسان أن يكدح ويتعب.

نعم هناك مشكلة في تحصيل الأعمال بسبب ظروف مختلفة ومتعددة، لكن على الإنسان أن يحقق في نفسه رغبة للعمل

والبنت سابقاً كانت منذ صغرها تقوم مقام أمها في رعاية البيت، والآن مع هذه الحالة الموجودة تكبر البنت ويمكن أن تتزوج وهي لا تستطيع في بعض الحالات أن تدير أمور بيتها، فلا تعرف كيف تطبخ لأنها في بيتها مع أمها لم تتعود على هذه الحالة.

سياسة ترفيه الأولاد إلى حد زائد تضر بالأولاد.

كان العرب في الجاهلية يبعثون أولادهم لكي يتدربوا في الصحراء حتى يعيشوا الخشونة هناك والقسوة فتتربى أجسامهم و أنفسهم وشخصياتهم.

إذن للتربية دور في غرس وزرع قدسية العمل في نفس الإنسان، كما أن الثقافة السائدة في المجتمع لها دور في ذلك، لذا يجب أن نشجع أولادنا وبناتنا على العمل والإنتاج، لأن الإنسان إذا لم يعمل فكيف يستفيد من طاقاته وكفاءاته، فهو كتلة من الكفاءات ومخزون هائل من القدرات لكنها تحتاج إلى اكتشاف وتفعيل. والآخرون تقدموا لأنهم فعلوا طاقاتهم، ففي كل يوم لديهم مخترع جديد، وكل يوم اكتشاف جديد، بينما الواحد منا يعمل بجزء بسيط جداً من قدراته وطاقاته، ولا ندرك مدى الطاقات والقدرات التي أعطانا الله إياها.

نُسِبَ لأمير المؤمنين :

أتحسب أنك جرم صغير **** وفيك انطوى العالم الأكبر

يحكى أن جماعة من الحمقى جلسوا يوماً من الأيام مع بعضهم البعض فتذاكروا فوائد الأعضاء.. لماذا خلق الله لنا عيناً ولساناً وأنفاً.

قالوا: خلق العين لكي نرى بها، واللسان لنتكلم به، والأنف لنتنفس به.

لكن وقفوا عند الأذن: لماذا خلق الله الأذن؟

فلم يتوصلوا إلى نتيجة، فقالوا: لنذهب إلى قاضي البلد نسأله لأنه عالم ويعرف الجواب.

جاؤوا إلى القاضي، فوجدوا الباب مغلقاً، فرأوا خياطاً بالقرب منه، وكان يلف الخيوط حول أذنه أثناء عمله، وعندما رأوه فرحوا وقالوا: لم تعد هناك حاجة لأن نسأل القاضي، عرفنا حكمة خلق الأذن، حتى يلف الإنسان عليها الخيوط إذا أراد أن يخيط شيئاً.

فقد قصروا فائدة الأذن على هذا الفائدة الهامشية، وكثير منا لا يستفيدون من طاقاتهم إلا استفادة ثانوية هامشية.

ثانياً: وجود الحوافز المشجعة على إتقان العمل:
المجتمعات التي تهتم بإتقان العمل توجد حوافز لذلك، بحيث أن من يتقن عمله يجد جزاء على ذلك، بينما في المجتمعات المتخلفة لا تجد، سواء أَعَمِلَ جيداً أم لا؟ الراتب هو نفسه، بل في بعض الأحيان في المجتمعات المتخلفة يكون المقياس هو المحسوبيات، عملت جيداً أم لم تعمل، حتى وإن عملت وأجهدت نفسك وبذلت طاقتك يأتي شخص آخر لم يعمل شيئاً لكن لعلاقته بهذا المدير أو بهذه الجهة يُقَدَّم عليك وأنت –حسب تعبيرنا- يخرجونك من الباب الشرقي.

فلماذا يُتْعِبُ الإنسان نفسه ما دام لا يوجد فرق في الأمر؟!

هذا خطأ..

لقد شجع الإسلام على العمل، وجعل محفزات تشوق الإنسان لفعل الخير وتشجعه عليه سواء في ذلك الأعمال الدنيوية أو الدينية: « لم يشكر الله من لم يشكر الناس » .

الناس الذين يعملون معك يجب أن تشكرهم وأن تخلق محفزات لهم حتى يتشجعوا للعطاء وللتطوير، ففي المجتمعات المتقدمة يعرف الإنسان أن مستقبله ورتبته وراتبه ومكانته رهن بإتقان العمل وإخلاصه فيه؛ لذلك يجد ويجتهد أكثر من أجل أن يحصل تلك المكاسب، وفي المجتمعات المتخلفة هذه الحالة غير موجودة، لكن بالطبع لا ينبغي أن تكون مبرر عند الإنسان المؤمن الواعي.

ثالثاً: ضعف الوعي الحياتي والوطني والاجتماعي:
متى هذه الأوطان تتقدم ومتى تتجاوز المجتمعات الحالة الراكدة التي تعيش فيها؟

في الواقع يحتاج ذلك تغييراً في نفس الإنسان لأن الله ﴿لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ[10] .

من أين يبدأ التغيير؟

كثيراً من الأحيان تظهر حالة ترامي المسؤوليات، فيقول الكبير الصغير أولاً، ويقول الصغير الكبير أولاً.. وتقول الحكومة الشعب أولاً، والشعب يقول الحكومة أولاً، وكذا العالم يقول الجاهل أولاً، والجاهل يقول العالم أولاً، وهكذا.

بينما التغيير يجب أن ينطلق من الجميع وإن كانت مراتب المسؤولية تختلف من شخص لآخر حسب مستواه، وحسب تأثيره، لكن الإسلام يعلمنا:

إذا قصر الآخر في القيام بمسئولياته فهذا لا يبرر أن أقصر أنا

« كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته » [11] .

الإسلام يربي فينا: أن الإنسان يجب أن يجود بما عنده:

* وكل إناءٍ بالذي فيه ينضحُ *

إذا كان الآخرون لا يوجد في نفوسهم إخلاص وجدية ولا توجه لرضا الله سبحانه وتعالى، فهل أصبح أنا أيضاً مثلهم؟

كلا، لأن سياسة ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ[12]  سياسة خاطئة. كما أن الإنسان المؤمن في عمله يتوجه إلى ربه سبحانه وتعالى، ويفكر في آثار عمله في الحياة وفي المجتمع الذي يعيش فيه والوطن الذي ينتمي إليه. أضف إلى أن الأوطان إذا لم يخلص أبناؤها في عملهم لا تتقدم.

وهذه قضية تهم الجميع وخاصة الذين يعملون في بعض المرافق الحساسة، وإن كانت كل المرافق حساسة؛ لأن الحياة متداخلة مع بعضها البعض، لكن بعض المرافق تأثيرها مباشر:

مثل الجانب التعليمي، فإن الذين يؤدون هذا العمل المقدس من مديري المدارس والمدرسين فيها؛ هؤلاء يتحملون مسؤولية كبيرة يجب أن يعوا أن المسألة ليست مسألة وظيفة يأخذون عليها معاشاً آخر الشهر، لأن هذا تفكير الإنسان المادي، أما الإنسان المؤمن المخلص الذي يحترق قلبه على مجتمعه ووطنه يعرف أن هؤلاء الأولاد هو بناة المستقبل، وهم أمانة في عنقه ويده، فعليه أن يجيد ويتقن القيام بهذا الدور. لاسيما وأن أكثر معلمي المدارس اليوم –والحمد لله- من أبناء المجتمع مما يجعلهم أكثر إحساساً بالمسؤولية أمام الله سبحانه وتعالى وأمام مجتمعه وأمام المستقبل.

وعلى المعلمين أن يجعلوا الله نصب أعينهم في مجالين أساسين:

1- في مجال الدروس والمواد التي يدرسونها: بأن يتقنوا التدريس تحضيراً وإلقاء ليفهم الطلاب جوهر المادة التي يدرسونها.

2- في مجال السلوك الشخصي: أن يكون المعلم متزناً ورزيناً ومتديناً متقياً لله سبحانه وتعالى.

ومن المواقع الحساسة بعد ذلك المجال الصحي، والعاملون في المجالات الصحية في المستشفيات والمستوصفات والعيادات هؤلاء مؤتمنون على حياة الناس وعلى صحتهم، وأي خلل أو تساهل وتمهل، أو وجود تسيب؛ يؤثر على حياة المجتمع، لأن أي إنسان من أبناء المجتمع يفقد حياته بسبب إهمال وتسيب وعدم اهتمام يعد ذلك اعتداء على كل المجتمع ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا[13] .

وقد ترد في بعض الأحيان شكاوى من الناس عن إهمال في التشخيص لبعض الحالات أو في علاجها، مما يؤدي إلى كوارث في حياة الناس.

الطبيب والممرض والممرضة والمساعدون والكادر الموجود في المستشفى هم المعنيون بهذا الأمر، ولذا يجب أن يعرف الجميع أنهم مسؤولون أمام الله سبحانه وتعالى. وإن فرضنا أن النظام الإداري لم يكن صارماً واستطاع أحدهم أن يفلت من المسؤولية، فإننا نؤمن بالعقاب يوم القيامة، فأنت أيها الطبيب أو الممرض أو العامل في المستشفى أو الإداري تتحمل جزء من المسؤولية أمام الله، وهو الله سبحانه وتعالى يوقفك للحساب وينتزع منك ظلامة هذا الإنسان.

وهكذا في مختلف المجالات على الإنسان أن يسعى لكي يرفع مستوى أدائه للعمل، وإلاَّ إذا قصر كل واحد في مجال عمله فستكون النتيجة هذا التخلف الذي نعيشه في بلداننا ومجتمعاتنا. أما إذا حاول كل واحد أن يتقن عمله وأن يحسن مستواه فإن نتيجة ذلك تقدم المجتمع.

رابعاً: الجو العام الذي يدفع للإتقان:
في بعض الأحيان يمكن أن يدخل موظف أو عامل في مكان وعنده روحية الإتقان، لكنه يرى التسيب فيمن يعمل معهم، فيتأثر بهم ويصبح واحد منهم وتعمه حالة التسيب.

علينا أن نتواصى بإتقان العمل، ونجعل ذلك حالة عامة كما يقول القرآن الكريم: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[14] ، وعلينا أن نعلم أن الله رقيب على أعمالنا، كما أن الإسلام يوصينا بالإتقان.

يقول رسول الله : « إن الله يحب أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه » . وفي نص آخر: « أن يحكمه » .

وجاء في تفسير الآية الكريمة التي بدأنا بها موضوعنا ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً عن الإمام الصادق : « ليس أكثركم عملاً وإنما أحسنكم عملاً » فليس المعيار هو الكم، بل الكيف هو المهم.

وقد قام الرسول بتجربة أمام أصحابه حينما أنزل سعد بن معاذ في لحده وصار يلحده فيضع لبنة هنا ثم يطلب آجراً ويطلب طيناً رطباً ويرتب الأمر بإتقان حتى لا يكون هناك خلل، فتعجب الأصحاب: يا رسول الله هذا قبر، وليس غرفة عرائس فتصنع فيها ما صنعت وتتقنه وتتعب نفسك فيه، فقال الرسول لهم: «إني لأعلم انه سيبلى ويصل البلى إليه و لكن الله يحب عبدا إذا عمل عملا أحكمه»[15] .

وقال الإمام زين العابدين : « أحبكم إلى الله عز وجل أحسنكم عملاً » [16] .

فحاول أن تضبط عملك، وأن تجعل عملك في أفضل صورة.

وأهل البيت عليهم السلام قدوة في هذا المجال فسيد الشهداء الإمام الحسين يعلم النتيجة ويعلم المصير الذي سيصل إليه ولكنه مع ذلك أوصى أصحابه ووضع كل الضوابط حتى يدخلوا المعركة ويؤدوا عملهم يوم عاشوراء في أفضل صورة ممكنة، والإنسان يتعجب كيف أن الإمام الحسين مع ما يحيط به من خطوب وآلام ومآسٍ إلا أنه لم يكن يهمه إنجاز عملية الثورة بقدر ما كان يهمه إتقان أداء الثورة.

[1]  سورة الملك، الآية 2.
[2]  سورة الكهف، الآية 28.
[3]  سورة الأنفال، الآية 6.
[4]  سورة الإنسان، الآية 1 – 3.
[5]  سورة التوبة، الآية 105.
[6]  بحار الأنوار، ج75، ص180، الحديث رقم 5.
[7]  بحار الأنوار، ج66/ 397، الحديث رقم 85.
[8]  بحار الأنوار، ج78، ص191، الحديث رقم 48.
[9]  مسند الإمام أحمد، الحديث رقم 12435. صخر CD.
[10] سورة الرعد، الآية 11.
[11]  بحار الأنوار، ج72، ص38، الحديث رقم 36.
[12]  سورة المدثر، الآية 45.
[13]  سورة المائدة، الآية 32.
[14]  سورة العصر، الآية 3.
[15]  راجع: بحار الأنوار، ج 6، ص220، الحديث رقم 14.
[16]  بحار الأنوار، ج104، ص73، الحديث رقم 25.