في معنى التعصب

الشيخ حسن الصفار *
قال تعالى ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين صدق الله العلي العظيم

نتحدث عن معنى التعصب والعصبية ، التعصب هذا الداء الوبيل المرض الخطير الذي يجعل الإنسان أسيراً لواقعه وإن كان فاسداً ويجعله خاضعاً لأفكاره وإن كانت باطلة ؛ والتعصب هو الذي يمنع الإنسان من اكتشاف الحقائق ومن الأخذ بها وبالتالي يمنعه من التطور والتقدم ، والتعصب بعد ذلك هو الذي يمزق المجتمعات البشرية ويزرع العداوة في بعضها تجاه البعض الآخر والتعصب هو الذي يبرر للظلم والجور بين الناس ، والحديث عن التعصب حديث طويل ومتسع.

الجذور التاريخية للتعصب؟


قبل الدخول في الكلام عن معنى التعصب نريد كمدخل الإشارة إلى الجذور التاريخية للتعصب الآن هناك علم في تاريخ الأفكار ، كيف نشأت هذه الفكرة وكيف تطورت هناك علم في تاريخ العلوم في تاريخ الصناعات كل شيء من الأشياء هناك تاريخ لنشأته وتطوره ،الأخلاق الإنسانية في جانبها الإيجابي مكارم الأخلاق أو الأخلاق والصفات السيئة أيضاً لها تاريخ ؛ كيف نشأ كل خُلق من هذه الأخلاق ومتى نشأ وكيف تطور في حياة البشر نجد في النصوص الدينية إشارات حول هذا الموضوع.

مثلاً موضوع التعصب والعصبية ، النصوص الدينية تتحدث عن تاريخ التعصب متى بدأ التعصب ومن الذي سن هذا الطريق السيئ طريق التعصب النصوص تشير إلى أن أول من سن هذا الطريق السيئ هو إبليس ،يقول الإمام علي «إبليس اعترضته الحمية فافتخر على آدم بخلقه وتعصب لأصله فهو إمام المتعصبين» وفي نسخة «فعدو الله إمام المتعصبين وسلف المستكبرين الذي وضع أساس العصبية» فالإمام يعتبر أن إبليس هو الذي وضع و سن أساس العصبية ولذلك كمدخل للعصبية ، معنى التعصب ، مجالات التعصب ، أضرار التعصب على المجتمع البشري ، علاج التعصب وطريقة الخلاص منه ، كمدخل نتحدث عن الجذور التاريخية ، الآية الكريمة تتحدث حول هذه الحادثة التي بدأ فيها مرض التعصب ﴿ولقد خلقناكم والخطاب من قبل الله سبحانه وتعالى للبشر أجمعين الله يخاطب البشر ول﴿قد خلقناكم الله هو الخالق. ﴿ثم صورناكم. الخلق هو الإنشاء، إنشاء المادة الأساسية الخام والتصوير هو إفاضة الشكل ، إفاضة الخصائص ، إفاضة الصفات على هذه المادة الله يقول ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم أيها الناس أيها البشر.

﴿ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم السجود لآدم لم يكن سجود لشخصه وإنما كان سجود لنوعه آدم باعتباره رمز للبشرية ممثل للإنسانية باعتباره أول وأب البشر أمر الله بالسجود له فالسجود لم يكن لشخصه وإنما لنوعه وفي الحقيقة السجود للبشرية كلها.

﴿ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم الملائكة ما هي الملائكة؟ هي وجود نوراني أوكل الله إليهم وكلفهم إدارة شؤون الكون والحياة بأمره سبحانه وتعالى كما يقول تعالى ﴿عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون، وفي آية أخرى ﴿لا يعصون الله ما أمرهم.أمرهم بأمر الله حركتهم عملهم بأمر الله سبحانه وتعالى ﴿ويفعلون ما يؤمرون.

الملائكة هم الذين يديرون الكون يدبرون شؤون الحياة بأمر الله تلك القوى التي تدير الكون بأمر الله ولذلك يقول تعالى ﴿فالمدبرات أمرا المدبرات أمرا هم الملائكة تدبر أمور الحياة والكون بأمر الله الملائكة كقوى تعمل في تسيير شؤون الكون قدراتهم وطاقاتهم ومواقعهم أيضاً مختلفة ﴿جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء . أجنحة هل هي أجنحة على حقيقتها أو المقصود القدرة على التحرك كما أن جناح الطائر يمكنه من التحرك الله زود الملائكة بالقدرة على التحرك وعبر عن ذلك بالأجنحة يتحركون في هذا الكون الرحيب العريض ويسيرونه حسب أمر الله سبحانه وتعالى ولذلك كل شأن من شؤون الكون القوة التي تديره ملك يطلق عليها ملك لذلك ملك البحار الأمطار الرياح الموت الحياة الرزق الخلق كلها قوى تسير أمور الكون تحت هيمنة الله سبحانه وتعالى ونحن كمسلمين المطلوب منا أن نؤمن بالملائكة ﴿كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله نؤمن بالملائكة كقوي وكوجودات تقوم بالأدوار التي ذكرها الله سبحانه وتعالى.

الله تعالى طلب من هؤلاء الملائكة أن يسجدوا لآدم ﴿ ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ما معنى السجود ؟ السجود في ظاهره هي الحركة المعروفة أن الإنسان ينحني ويضع جبهته على الأرض يسجد بعض المفسرين قالوا لعل معنى السجود تسخير القوى الموجودة في الكون للإنسان باعتبار أن الملائكة هي تلك القوى التي تدير أمور الكون تسجد للإنسان يعني كل الخيرات والأشياء الموجودة في الكون الله تعالى أخضعها للإنسان ﴿ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض كل شيء في الكون مسخر للإنسان.

وأيضاً النصوص تدل على أنه حركة سجود بالمعنى المصطلح ﴿اسجدوا لآدم. ثم يختلفون هذا السجود كيف يكون لآدم معروف أن السجود لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى بعضهم قال آدم مجرد قبلة السجود لله لكن القبلة آدم مثلما نحن نسجد للكعبة بمعنى نستقبل الكعبة لكن السجود لله سبحانه وتعالى لكن هذا الكلام يرد عليه علماء محققون آخرون أن هذا الكلام غير صحيح السجود كان لآدم لكن ليس سجود عبادة وإنما سجود تكريم سجود تجليل وتعظيم وهذا تحدث عنه القرآن الكريم بالنسبة إلى النبي يعقوب مع ولده نبي الله يوسف ﴿ورفع أبويه إلى العرش فخروا له سجدا أبواه كيف سجدا له ، سجود تكريم تعظيم تجليل ليس فيه شيء من الإشكال لأنه إذا مجرد قبلة هذا لا يستبطن التفضيل لأن إذا أحد استقبل شيء وسجد له كقبلة لا يعني أن المستقبل أفضل من القبلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما يصلي أين يستقبل ، يستقبل الكعبة لكن هل الكعبة أفضل من رسول الله لا.

المسألة حينما أمرهم بالسجود لآدم لو كان آدم مجرد قبلة لهم ليسوا ساجدين لتعظيمه وتكريمه لما غضب إبليس ، إبليس رأى أن في الأمر تكريم لآدم ﴿أرأيتك هذا الذي كرمت علي وإبليس يفهم لو مجرد قبلة لم يكن ليغضبه الأمر لكن السجود كان تكريم وتعظيم لآدم ، أمرهم الله أن يسجدوا لآدم كل الملائكة فاستجابوا إلا إبليس لم يرض بالسجود.

إبليس أساساً هل هو من الملائكة القرآن يصرح أنه ليس من الملائكة ﴿إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه . إذن كيف أصبح معهم حاضراً لهذه الحادثة وتوجه الأمر له بالسجود؟ لكثرة عبادته وعلمه رفعه الله إلى مقام الملائكة وإلا فهو من الجن.

جاءت ساعة الامتحان أُمِر بالسجود لآدم أبى ولم يرض أن يسجد ﴿إلا إبليس لم يكن من الساجدين اختلفوا في لفظة إبليس بعضهم قال إنها ليست من أصل عربي وإنما مأخوذة من اليونانية وبعضهم قال أنها مشتقة من الإبلاس ﴿ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون الإبلاس يعني اليأس مع الضلال فهي عربية ومشتقة من البلاس ، إبليس في لحظة الامتحان تبينت حقيقته لنفسه وللملائكة ، الله سبحانه وتعالى يسأله ﴿قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين.

وهنا تأتي مشكلة التعصب، الإنسان المتعصب يصنع هو معادلة معينة ثم يخضع لتلك المعادلة ويبرر بها تكبره واستعلاءه أولاً هل أن الله تعالى أمر بالسجود لآدم لأنه من الطين حتى تأتي وتقول أنا من نار وهو من طين ، الله أمر بالسجود لآدم لأنه نفخ فيه من روحه وأعطاه الاستعداد العلمي ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين المسألة ليست لأنه من طين ومن ثم الاستعداد العلمي ﴿وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا .

فإذن نفخ فيه من روحه وبعد ذلك المستوى العلمي الذي يملكه وبعد ذلك الدور الذي سوف يقوم به آدم ﴿إني جاعل في الأرض خليفة ) فالسجود لهذه الاعتبارات لكن إبليس هو رتب له معادلته الخاصة اعتبر هذا من طين وهو من نار فكيف هو من نار يسجد لهذا الذي من الطين ، سبب الأمر بالسجود ليس لأنه من طين حتى تأتي وتقارن بين الأمرين ثم من قال أن النار أفضل من الطين ، هذا أيضاً يحتاج إلى بحث ومناقشة لكن هذه مشكلة المتعصب هو يصنع له معادلة وقاعدة ويفرضها على نفسه وعلى الحياة وهنا مكمن الخطأ ﴿خلقتني من نار وخلقته من طين .

إبليس منذ ذلك اليوم غضب الله تعالى عليه وأصبح رمزاً للسوء ، رمزاً للشر صارت مهمة إبليس منذ ذلك اليوم إيقاع الخصومة والتمرد والمخالفة لله سبحانه وتعالى ، التشجيع على معصية الله ومخالفة الله تعالى ، الله تعالى أيضاً يريد أن يكون هذا الشيء موجود ، يعني وجود إبليس والدور الذي يقوم به ليس غصباً ولا خلاف إرادة الله لو أن الله تعالى ما كان يريد ذلك لما كان ، لماذا كانت إرادة الله أن يصبح إبليس ويقوم بهذا الدور؟ حتى يصبح هناك ابتلاء وامتحان ،إذا كانت كل الظروف مشجعة على العبادة لله ليست هناك اغراءات وليست هناك صوارف فلا يصبح امتحاناً وابتلاء ، إبليس لديه مجال للعمل. وأيضاً الله تعالى لم يترك الإنسان فريسة لخدع إبليس وتضليله بل بعث الأنبياء والرسل والأوصياء والحجج والكتب وزوّد الإنسان بالعقل، ليعيش الإنسان معركة بين جهة إبليس وجهة العقل وليرى إرادة الإنسان لأي جهة تنتصر هل جهة عقله وجهة طاعة الله أم جهة الشيطان. والله تعالى حذّر الإنسان ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا.

فالشيطان غاضب علينا من جهة ذلك التكريم عندما أمره الله بالسجود لأبينا آدم ولذلك فهو يبحث عن أي فرصة لإذلالنا وإغواءنا ، ومما ينقل كقصة واقعية أو أسطورة أن رجلاً متديناً كان جالساً مستظلاً بظل جدار قديم يوشك أن يسقط أو ينهار فجاء له شخص وقال له قم فالجدار سيقع عليك فقم أنجو بنفسك فابتعد الرجل وما هي إلا لحظة حتى سقط الجدار على الأرض فقال الرجل لذلك الشخص جزاك الله خيراً قد أنقذت حياتي فمن أنت فقال له أنا الشيطان فاندهش الرجل كيف أن الشيطان ينصح الإنسان وقال أنت عدو لنا فكيف نصحتني وأنقذتني فقال له الشيطان بصراحة أنا لم أنصحك وإنما خفت أن يسقط عليك الجدار وأنت في كامل إيمانك فتموت وتدخل الجنة وأنا عندي عمل معك ولا أريدك أن تدخل الجنة إذن ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا.

فالشيطان أصبح رمزاً للشر والسوء ولكن مع الأسف تكونت فئة تقدس الشيطان وتعبده ، طائفة اليزيديين الآن موجودة في شمال العراق وبعض مناطق تركيا وفي بعض القرى عند حلب في سوريا عددهم في شمال العراق 60 ألف قبل سنوات وعددهم في بعض مناطق أرمينيا وتركيا وبعض القرى الأخرى عند حلب في سوريا قريتين لهم أكثر من 50 ألف يعني أكثر من مائة ألف شخص يقدس الشيطان الآن ، واليزيديون معروفون وتكتب عنهم الفرق والمذاهب وهم يؤمنون بإمامة يزيد بن معاوية ويقدسونه ويعتبرونه إمام عادل وأنه قد رُفع إلى السماء وإنه يعود في آخر الدنيا فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً ويصوموا ثلاثة أيام في الأسبوع الأول من كانون الأول لذكرى ميلاد يزيد بن معاوية وليلة 15 شعبان عبادة طوال الليل فيصلون ويكتفون بصلاة تلك الليلة عن السنة كلها على اعتبار أنها خير من ألف شهر فيعتبرونها ليلة القدر ، وهؤلاء اليزيديون يقدسون إبليس إلى اليوم وعندهم ديانة وكتاب دين باللغة الكردية اسمه الجلوى وعندهم طقوس وتقاليد وقد كتبت بعض المجلات استطلاعات عنهم في السنة الماضية ، وإلا فإبليس هو رمز للشقاء وللسوء وللشر وهو الذي وضع أساس التعصب والعصبية؛ هذه هي الجذور التاريخية .

معنى التعصب


الآن ما هو معنى التعصب ؟ لغة يقول اللغويون التعصب ، تَعصَّب مأخوذة من العصابة أي عصب رأسه وضع شيء على رأسه والعمامة يقال لها عصابة ، وهي ما يستدير على الرأس ويلف به الرأس ثم كل ما يستدير حول شيء أيضاً يطلق عليه عصابة ، وقال اللغويون أيضاً التعصب مأخوذ من العَصَبة والعَصَبة هم أقارب الإنسان من جهة الأب لأنه يحتمي بهم ويشتد بهم ويرتبط بهم وقال البعض التعصب مأخوذ من العَصَب وهو الذي يربط مفاصل الإنسان وكل ما يربط شيء بشيء أطلقوا عليه أيضاً تعصب ، عصبية مأخوذ من العصب وقالوا أيضاً مأخوذ من الشدة ولذلك ورد في القرآن الكريم ( يوم عصيب ) يعني يوم شديد.

إذاً من الناحية اللغوية التعصب مأخوذ فيه مسألة الشدة ، مسألة الارتباط مسألة الاستدارة ، استدارة شيء حول شيء وكأن الإنسان المتعصب يرتبط بشيء يتعصب له ذلك الشيء يحكم سيطرته عليه كالعصابة التي تلتف حول رأس الإنسان هذا بالنسبة إلى المعنى اللغوي.

من الناحية الفكرية والاجتماعية قالوا التعصب نوعان تعصب إيجابي وتعصب سلبي ، التعصب الإيجابي أن يتعصب الإنسان إلى شيء ينحاز إلى شيء ، إلى شخص ، إلى فكرة ، إلى جهة ينحاز إيجابياً هذا يطلقوا عليه تعصب إيجابي ، التعصب السلبي هو الانحياز ضد شيء ، ضد شخص أو ضد فكرة أو ضد جهة هذا يطلق عليه تعصب سلبي.

وقالوا أيضاً أن التعصب نوعان : نوع محمود ونوع مذموم ، النوع المحمود إذا الإنسان انحاز إلى شيء على أساس الدليل والبرهان ، هذا يعتبر تعصب محمود ، هذا منحاز إلى هذه الفكرة لكنه انحياز سليم على أسس صحيحة . أما التعصب المذموم : انحياز الإنسان إلى شيء تحت تأثير الانفعالات والعواطف ومن دون استخدام العقل والفكر والمنطق ، هذا يكون تعصب مذموم .ويؤيد هذا التقسيم حديث يروى عن الإمام زين العابدين (ليس من العصبية أن يحب الرجل قومه، ولكن العصبية أن يعين قومه على الظلم ).

فإذاً العصبية نوعان : عصبية مقبولة ، وعصبية مذمومة. إذا كان على أساس سليم وصحيح، على أساس منطق. أنا عندي دين منحاز إليه،عندي مذهب منحاز إليه، لكن على أساس دليل وبرهان ومنطق وهذا محمود. الإمام علي يقول: «تعصبوا لمكارم الأخلاق ومحاسن الفعال»، الخلق الكريم شخص يتعصب له فهذا شيء جيد وتعصب إيجابي محمود ولكن من حيث المصطلح غالباً ما يطلق التعصب على الانحياز المذموم الذي هو من دون دليل ولا منطق ، يقول علماء النفس في تعريفهم للتعصب أنه القبول بالشيء تحت تأثير الانفعالات والأحاسيس وبعيد عن استخدام العقل والفكر.

والقرآن الكريم لم يستخدم لفظة تعصب لكن كمفهوم وكممارسات تحدث القرآن عنها ومن تلك الموارد التي تحدث عنها القرآن أنه أطلق على التعصب لفظة مرادفة وهي الحميّة ﴿إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية؛ حمية الجاهلية تعني التعصب والإصرار على موقف والاستنكاف عن شيء من دون دليل ومن دون برهان فقط أنفه واستكبار. والآية الكريمة نزلت حول حادثة حينما ذهب الرسول في السنة السادسة للهجرة هو وأصحابه باتجاه مكة إلى العمرة بعد ست سنوات من فراقها، والرسول دعى الناس ودعى القبائل أن يذهبوا للعمرة وزيارة البيت الحرام وقد ذهب حوالي 1600 إلى 1800 شخص إلى مكة بدون سلاح ولا شيء وأعلنوا أنهم لا يريدون المواجهة ، وقريش لها مكانة بين العرب أنها تحمي البيت وتوفر الأمن للحجيج وللمعتمرين ولزائرين بيت الله الحرام والنبي أتى مسالماً يريد فقط زيارة البيت الحرام والرجوع ولكن قريش لم ترض بهذا فكيف يدخل محمد ويعتمر ويرجع ونحن ننظر إليه ، فحاول الرسول معهم وبعث لهم وسائط وقريش أيضاً بعثت وفود إلى الرسول وهي أولاً قد بعثت فرقة من الجيش تعدادها 200 شخص بقيادة خالد بن الوليد لمحاصرة الرسول ومن معه فأعلن الرسول موقفه وهو أنه لم يأتي للقتال ولم يحمل أسلحة معه بل جاء وهو يسوق الهدي معه فقط ليزور البيت لكن الأنفة التي عندهم الحمية حمية الجاهلية مع أن هذا يتنافى مع سمعتهم ومهمتهم ودورهم ؛ الرسول أراد أن يبعث مندوب عنه حتى يوضح إليهم فاختار عمر بن الخطاب وقال له اذهب إلى قريش وقل لهم أننا لم نأتي للقتال والحرب بل للعمرة فقط فقال له عمر يا رسول الله ليس لي عشيرة هناك يحمونني فإن ذهبت إليهم الآن لا أعلم ما سيفعلونه بي فاختر شخصاً لديه عشيرة تحميه من قريش إن أرادت أن تؤذيه فاختار الرسول عثمان بن عفان لأن أبو سفيان والأمويين موجودين في قريش –وهذه الحادثة تذكرها كتب السير ككتاب مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي يذكر الحادثة بتفاصيلها- ولكن قريش أصرت على موقفها ، وقد أمر الله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن عرض عليه المشركون أنه لك الحق في أن تأتي للعمرة وليس لنا الحق في منعك ولكن يصعب على أنفسنا أن تدخل مكة فلا تدخلها هذه السنة وانتظر حتى السنة القادمة لنفرغ لك مكة ونخرج كلنا منها وندعك تعتمر ونحن لا نراك ولا نغضب وهكذا جرى صلح الحديبية المشهور .

الإنسان العاقل عليه أن يتخلص من هذا الخلق الذميم بأن يفكر في وضعه وينظر في حاله ويلاحظ خصاله السيئة ويغيرها ، وبعض الناس يصعب عليها ذلك بعدما ألفت عملاً ما أو موقفاً ما على اعتبار أن كلمة الرجل واحدة لا تتغير ؛ والإسلام دائماً يحثنا نحو أن نغير ونفكر في أنفسنا وفي أفكارنا وسلوكنا وأعمالنا ومواقفنا لعل هناك ما يستوجب التغيير والتبديل لأن الإنسان المؤمن لابد أن يكون لديه مرونة وديناميكية ليغير ويبدل أخطاءه ولذلك الإسلام دعا إلى التوبة وماذا تعني التوبة ، التوبة أن يتراجع الإنسان عن الخطأ فالإنسان بشر وكل بشر معرض للخطأ يقول الرسول «كل بني آدم خطاء وخير الخطاءين التوابون».

الآن كثير من شبابنا الذين يعيشوا في هذا العصر تصادفهم ظروف معينة تشجع وتغري بالمعصية والفساد والانحراف ولكن الإنسان يحتاج إلى وقفة مراجعة وتأمل هل أستمر في هذا السلوك ، هل أستمر في هذا العمل ، في مثل هذه المواسم الطيبة مثل موسم عاشوراء وهذه المجالس المباركة هذه أفضل فرصة حتى الإنسان يعيد النظر ويراجع سلوكه وحياته ومواقفه ويتخلص من الشوائب ومن الانحرافات بالفعل خاصة في هذا العصر الله يساعد الشباب على الالتزام بدينهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس يوم من الأيام مع أصحابه وإذا به يرفع يديه بالدعاء ويقول «اللهم لقني أخواني » قال له الأصحاب حوله يا رسول الله أولسنا إخوانك قال «أنتم أصحابي» فمن هم إخوانك يا رسول الله قال « هم قوم يأتون في آخر الزمان يكون أجر الواحد منهم مثل أجر خمسين منكم » كيف يا رسول الله ونحن صحبناك وشهدنا نزول القرآن وحضرنا الغزوات والمعارك معك الرسول قال «إنكم لو تُحمّلون ما حُمّلوا لم تصبروا صبرهم ».

الاغراءات التي يعيشها الإنسان المؤمن خاصة في مرحلة الشباب في هذا العصر لم يكن يعيش المؤمنون في العصور السابقة مثل هذه الاغراءات ومثل هذه الظروف.

الحضارة المادية تتفنن في إغواء الإنسان وخاصة الشباب والفتيات نسأل الله أن يعينهم على الالتزام بدينهم اللهم أعنا على أنفسنا. الالتزام في الدين خاصة في هذا العصر ليس بالشيء السهل «القابض على دينه كالقابض على جمر » ماذا يعني كالقابض على الجمر يعني أن الإنسان يحترق إذا شخص قابض بيده على جمر لكنه يحترق يعني الإنسان الذي يلتزم بدينه داخل نفسه عواطفه وشهواته ورغباته تنفعل ، تحترق شهواته ورغباته فالتزامه بالتدين يصير مثل حالة إنسان تحرق النار جسمه ،صحيح الالتزام بالتدين في هذا العصر فيه صعوبة لكن بمقدار ما فيه من صعوبة فيه أجر وثواب من عند الله سبحانه وتعالى.

رُشيد الهَجَري (ر) هذا الصحابي الجليل تلميذ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يخاطب ابنته واسمها قنوة يقول لها ( سيأتي قوم في آخر الزمان تكون بصائرهم في دينهم أفضل من عبادتنا ) هذا رُشيد الهَجَري ومع ذلك يقول هكذا هنيئاً للشباب الملتزمين المتدينين في هذا العصر ، هنيئاً لهم وعلى الإنسان على الشاب حتى لو صدر عنه خطأ فهو بشر يصدر منه الخطأ لكن لا يستمر على الخطأ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين. عندنا روايات كثيرة حول فضل التوبة «التائب من الذنب كمن لا ذنب له » وفي حديث عن الإمام الباقر «إن الله لأشد فرحاً بتوبة عبده من رجل ضلت ناقته وزاده وهو في صحراء ثم لقي ناقته وزاده كيف يفرح بها الله بتوبة عبده أشد فرحاً من ذلك». الشاب الذي يتوب إلى الله ، الإنسان الذي يتوب إلى الله ، الله يفرح به الله يستقبله ولذلك المؤمنين أيضاً إذا رأوا شاب من الباب عنده ملامح من التوبة يجب أن يشجعوه في بعض الأحيان بعض الأوساط الدينية إذا رأوا شاب لم يكن متدين ولا ملتزم جاء إلى المسجد ينظرون له نظرة شزرة ما الذي أتى به ، رأوه جاء للحسينية هذا خطأ بالعكس رحبوا به كما يرحب الله تعالى به أفرحوا به كما يفرح الله تعالى به ،في هذه الدنيا ، في هذه الاغراءات وخضم الإغواء الشيطاني الموجود من يسلم من الخطاء والذنوب لكن الموفق هو الذي هو الذي يتجاوز الذنوب والأخطاء ويتوب إلى الله تعالى نسأل الله أن يوفقنا الله تعالى للتوبة وحسن الأوبة .