إحياء أمر أهل البيت عليهم السلام

الشيخ حسن الصفار *
الحمد لله رب العالمين وصلى الله عليك يا رسول الله وعلى آلك الطيبين الطاهرين، السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى أنصارك المجاهدين بين يديك.

روي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق أنه قال للفضيل بن يسار: يا فضيل « أتجلسون وتتحدثون؟ »قال: نعم جعلت فداك. قال الإمام الصادق : «إن تلك المجالس أحبها. فاحيوا أمرنا، فرحم الله من أحيا أمرنا » [1] .

مصادر التشريع:

يتفق المسلمون على أن السنة هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القران، وأنها هي التي تبين معاني آيات القرآن، وهي التي تفصِّل المجملات الواردة في القران الكريم. وقد وكل الله تعالى هذه المهمة إلى نبيه حيث قال:

﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ[2]  فتبيين القران وتوضيح معالمه هذا من شؤون السنة؛ ولذلك تعتبر السنة المصدر الثاني في الاسلام بعد القران الكريم لتحصيل المفاهيم والأحكام والتشريعات. وقد اتفق المسلمون على أن قول رسول الله وفعله وتقريره حجة شرعية، وهذا ما يصطلح عليه المسلمون بالسنة، فحينما يقال (السنة) فيراد بها قول الرسول وفعله وتقريره. ثم حصل اختلاف: هل أن السنة كمصدر للتشريع تقتصر على ما يرتبط بالرسول أو هناك شيء يضاف إلى السنة ويكون بحكمها فيكون حجة ومصدراً للتشريع؟

بعض العلماء المسلمين كالعلامة الشاطبي والعديد من علماء أهل السنة يرون أنها تتسع لسنة الصحابة، فليس كلام الرسول وفعله وتقريره حجة ومصدر تشريعي وإنما سنة الصحابة وأقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم أيضا هي حجة ومصدر للتشريع.

وبعض العلماء من أهل السنة لا يوافقون على أن سنة الصحابة هي كسنة رسول الله ، ولكن يرون أن لمذهب الصحابة حجية من باب أن الصحابي راوٍ مجتهد فمذهبه ورأيه له قيمة وحجية، وبالتالي يعتبرون مذهب الصحابي أيضا مصدراً يمكن الاعتماد عليه في معرفة الأحكام والتشريعات الإسلامية.

نحن نعتقد أن السنة تشمل أيضا الأئمة المعصومين من أهل البيت، وأن أقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم حجة ومصدر للتشريع كجدهم رسول الله ؛ وذلك بعد ثبوت عصمتهم، وبعد ثبوت الإرجاع إليهم من قبل القران الكريم، ومن قبل رسول الله . فمادام الرسول قد أرجعنا إليهم وأمرنا بالأخذ بأقوالهم وأمرنا باتباعهم ونهانا عن مخالفتهم فلابد أن تكون أقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم حجة من الناحية الشرعية؛ وإلا فكيف يأمرنا الله ويأمرنا رسول الله بالرجوع إلى جهة لا يكون أوامرها حجة:

«إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي»[3] 

فجعل العترة إلى جانب الكتاب. مما يعني أن أقوال عترة النبي وأقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم سنة وحجة شرعية. وبالتالي حينما نستنبط حكما شرعيا أو نأخذ معلماً من معالم الدين من أهل البيت عليهم السلام نكون قد استندنا الى حجة شرعية ندين بها أمام الله سبحانه وتعالى. فكل حكم وكل معلم وكل مسألة تؤخذ من أهل البيت هي مسألة شرعية وتعتبر من مصدر شرعي.

وإذا كان هنالك نقاش في المبنى: هل أن كلام أهل البيت حجة أو لا فيمكن أن يبحث، ولنا أدلتنا ونقاشاتنا، وهو ثابت عندنا، وأما بعد ثبوت هذا المبنى فكل ما يصلنا ونقطع بصدوره أو نثق بصدوره عن أهل البيت عليهم السلام وفق الوسائل الممضاة والمعترف بها في علم الحديث نتعبد به.

ومما وردنا عن أهل البيت عليهم السلام وأخذناه وتعبدنا به إحياء ذكر أهل البيت، وإحياء مناسباتهم. وهذه ليست عادة بشرية أو تقليداً اجتماعياً ابتكره الناس، وإنما هي مستنبطة ومأخوذة ومستوحاة من كلام أهل البيت عليهم السلام. فإحياء ذكر أهل البيت ومناسباتهم يعتبر بالنسبة لنا عملاً شرعياً نقوم به بدافع تعبدي.

وإذا كان هناك من لا يعتبر أهل البيت مصدراً للتشريع وليسوا حجة عنده بينما يأخذ بأقوال الصحابة الآخرين فهو وشأنه، أما نحن بعد أن ثبت عندنا أن أهل البيت أقوالهم وأفعالهم حجة من الناحية الشرعية فنحن ملزمون بالأخذ بأقوالهم، وهم أمرونا بهذا الشيء. ونحن نأتمر بأمرهم تعبداً لله سبحانه وتعالى.

روايات وأحاديث كثيرة عن أهل البيت صلوات الله عليهم تأمر بإحياء ذكرهم كهذا الحديث الذى تبركنا بذكرة. وهو مروي عن الفضيل ابن يسار، وهو عالم من العلماء الثقاة من مدرسة أهل البيت، عاصر الإمام الباقر وتتلمذ على يديه، وعاصر الإمام الصادق وتتلمذ على يديه، وكان الإمام الصادق إذا رأى الفضيل قد أقبل يقول:«بخ بخ بشر المخبتين أن الأرض لتأنس بفضيل بن يسار» الامام اذا راى فضيل بن يسار أيضا كان يقول «من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا» إلى فضيل ابن يسار وحينما توفي رحمة الله واخبر الامام الصادق بوفاته وتغسيله قال: «رحم الله فضيلاً لقد كان من أهل البيت» لاحظ مكانة، وشاهد موقعية هذا الرجل.

يروى هذا الحديث بعدة طرق وعدة أسانيد.

يسأل الإمام الصادق يا فضيل: «أتجلسون وتتحدثون؟ »قال: نعم، جعلت فداك، قال الإمام الصادق: «إن تلك المجالس أحبها».

يقول الإمام علي بن موسى الرضا : «من جلس مجلساً يحيي فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب»[4]  يعني يوم القيامة. وعندنا في هذا المجال روايات كثيرة وعديدة.

نريد أن نبحث:

أولاً : ما هو أمر أهل البيت عليهم السلام؟ (أحيوا أمرنا؛ رحم الله من أحيا أمرنا).

ثانياً: ما هو الإحياء؟ كيف يحيا أمر أهل البيت؟

ثالثاً: ما هي مجالات ودوائر إحياء أمر أهل البيت؟



أولاً: ما هو أمر أهل البيت؟

لا نحتاج لاجتهاد حتى نفسر هذه الكلمة، فإن أهل البيت أنفسهم فسروا لنا هذة الكلمة. يقول الهروي سمعت الإمام أبا الحسن علي بن موسى الرضا يقول:«أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا. قلت: يا بن رسول الله وكيف يحيا أمركم؟ قال: أن يتعلم علومنا ويعلمها الناس؛ فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لتبعونا»[5] ، هذا أمر أهل البيت، ولم يكن أمرهم المناصب والمواقع والكراسي، كلا بل أمر أهل البيت عليهم السلام هو الإسلام والرسالة الإسلامية، وكانوا يريدون إيصال رسالة الإسلام إلى الناس، هذه الرسالة التي جاءت على يد جدهم الاعظم محمد ، وهم كانوا يتحملون مسؤولية توضيحها وتبيينها؛ لأن الفترة التي عاشها لرسول لم تكن كافية لكي تتضح كل التفاصيل وكل المعالم، بالإضافة إلى الأشياء التي تستجد في حياة الأمة، وقد استجدت في حياة المسلمين أمور كانوا يحتاجون من يعلمهم ويوضح لهم رؤية الإسلام وموقفه تجاهها، وكانت وظيفة أهل البيت تبيين وتوضيح رؤية الإسلام ورسالته على حقيقتها.

صارت هناك انحرافات وتشويهات بسبب أناس لم يكونوا مؤهلين لفهم أحكام الدين ولمعرفة مفاهيمه ممن تصدوا لتبيين الأحكام والإفتاء، وبعضهم كانوا مغرضين، إضافة إلى أن السلطات الأموية والعباسية أرادت أن تكيف الدين حسب أغراضها ومصالحها، نتج عن كل ذلك تشويه وتحريف في الدين. وكانت مسؤولية أهل البيت عليهم السلام إزالة التزوير والتزييف والتحريف، وتبيين الإسلام على حقيقته وواقعة.

إذن أمر أهل البيت هو الرسالة الإسلامية الخالصة النقية السليمة دون تحريف أو تزييف أو تزوير.

وسلوك أهل البيت انعكاس للإسلام؛ لذلك الحديث عن سلوكهم حديث عن الإسلام لأن سلوكهم تجسيد للإسلام. فهم معصومون لا ينفكون عن القرآن «لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض»[6] ، يعني لا تفترق المواقف، ولا يفترق سلوكهم عن أوامر القرآن.

وأهل البيت يريدون من أتباعهم وشيعتهم إحياء أمرهم «أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا» وهو كما يقول الإمام: «يتعلم علومنا ويعلمها الناس»، وخاصة إذا علمنا أن هناك عوامل وأسباباً عديدة ترمي إلى التعتيم والكتمان، وتريد إماتة أمر أهل البيت وذكرهم. فإن السلطات المناوئة إلى أهل البيت من الأمويين العباسيين قد بذلوا كل جهودهم من أجل أن يمنعوا الناس ويفصلوهم عن أهل البيت، ويمنعوا وصول كلام أهل البيت إلى الناس.

كانت الرواية عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب تكلف الإنسان حياته، والمرسوم الذي أصدره معاوية بن أبي سفيان واضح، فمن يروي أحاديث عن أمير المؤمنين يهدم بيته، ويقطع رزقه، ويتعرض للقتل والتصفية.

وهكذا السلطات التي توالت على الحكم وكانت مناوئة لأهل البيت كانت تسعى بكل قوتها وجهدها لمنع ظهور فكر أهل البيت.

وأهل البيت يجدون أنفسهم مسؤولون عن تبليغ الرسالة، إلا أن السلطة والوسائل الإعلامية والإمكانات المادية لم تكن متاحة لهم، ووسائل التبليغ كمنابر الجمعة والإفتاء والتدريس غالباً كانت بيد الآخرين، وإلى جانب كل ذلك كانت السلطات تحارب أهل البيت وتقف حائلاً دون توجيهات أهل البيت. فحال أهل البيت عليهم السلام أن يشقوا لهم طريقاً مناسباً لكي يقوموا بمسؤوليتهم ويوصلوا هذه الرسالة إلى الناس.

ما هو هذا الطريق؟


حملوا كل إنسان مؤمن المسؤولية في مساعدة أهل البيت في هذا الدور «رحم الله من أحيا أمرنا» فهم عليهم السلام يريدون أن يقولون لي ولك ولكل مؤمن أنهم عليهم مهمة لكنهم لا يستطيعون أن يقوموا بها إلا بمساعدتكم، إلا بدوركم أنتم معنا.

كل إنسان لابد أن يقوم بدور حتى نستطيع أن نؤدي هذه المهمة «رحم الله من أحيا أمرنا».

كيف نحيي أمر أهل البيت؟

إحياء أمر أهل البيت يكون في ثلاث دوائر:

الدائرة الأولى: دائرة أتباع أهل البيت عليهم السلام.

الدائرة الثانية:دائرة الأمة الإسلامية.

الدائرة الثالثة: دائرة الإنسانية العامة.

وفي هذه الدوائر الثلاث يجب أن يحيا أمر أهل البيت عليهم السلام.

الدائرة الأولى: أتباع أهل البيت:


كيف يحيا أمر أهل البيت في وسط أتباعهم وشيعتهم؟

يحيا أمرهم بتوضيح تعاليمهم والدفع والتشجيع للاقتداء والأخذ بتعاليمهم؛ حتى لا يكون الاتباع مجرد اسم وانتماء اجتماعي. بل ليكون المشايع لأهل البيت والموالي لهم ملتزماً بما التزم به أهل البيت عليهم السلام سائراً في طريقهم. وهذا هو التشيع الحقيقي. فإنه لا يكفي من يعتقد بإمامة أهل البيت مجرد الاعتقاد القلبي فقط، وإنما لابد أن يتبعه التزام سلوكي.

يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب : «ألا وإن لكل مأموم إمام يقتدي به ويستضيء بنور علمه»[7] .

المطلوب هو الاقتداء. وشيعة أهل البيت حينما يحضرون مجالس أهل البيت ويحيون أمر أهل البيت في وسطهم هذا يعني أنهم يتشجعون ويتعهدون بالسير في طريق أهل البيت عليهم السلام وبالأخذ بتعاليم أهل البيت.

يقول الإمام الصادق : «ما شيعتنا إلاّ من اتقى الله وأطاعه»[8] .

ويقول أيضاً: «إنما أنا إمام من أطاعني»[9]  الذي يطيعني أنا أمامه، أما الذي لا يطيعني فلست إمامة وإن صرخ وقال: إن الإمام الصادق إمامي، هذا كذّاب ليس امامك.

وعندنا روايات كثيرة تؤكد أن التشيع ليس مجرد الاعتقاد أو المحبة القلبية، وإنما هو الالتزام السلوكي أيضا.

يقول الإمام الصادق :«ليس من شيعتنا من يكون في مصر وفيه آلاف ويكون في المصر أورع منه»[10]  وهذا يعني: كما أن أهل البيت كانوا هم النموزج الأسمى والأعلى كذلك شيعتهم بالنسبة إلى سائر الناس ينبغي أن يكونوا هم الأتقى والأورع الأفضل التزاماً وسلوكاً.

بعض الناس يعتقد باعتباره أنه من شيعة أهل البيت سيتساهل معه يوم القيامة، بعض الروايات تدل على عكس ذلك.

يقول الإمام الصادق : «يا مفضل: القبيح من كل أحد قبيح، ومنك أقبح لمكانتك منا، والحسن من كل أحد حسن، ومنك أحسن لمكانك منا». الإنسان الموالي والمشايع لأهل البيت عليهم السلام عليه أن يعرف أن انتسابه إلى أهل البيت يحمله مسؤولية سلوكياً.

حدثني أحد الشباب وكان مبتعثاً إلى الخارج فقال: تعرفون الأجواء هناك والإغراءات ودواعي الانحراف، يقول: لكن شيئاً واحداً ساعد على إنقاذي وعلى استقامتي. ما هو ذلك الشيء؟ يقول: كلما لاحت لي معصية أو هممت بمعصية تصورت الإمام علي ، تصورت الإمام الحسين، تصورت الإمام الصادق ثم أخجل من نفسي. أنا من أتباع هؤلاء وأنحرف وأعصي.

ولذلك الروايات التي تفسر الآية الكريمة:﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ[11] ؛ تقول: إن المراد بالمؤمنين هم الأئمة عليهم السلام، فحينما تقوم بعمل عليك أن تعرف أن عملك يطلع عليه الأئمة عليهم السلام. كيف يطلعون؟ هذا بحث اخر.

وعندنا روايات مفادها أن إمامنا صاحب العصر والزمان (عج) يطلع على أعمال الناس وعلى أعمال شيعته في كل يوم. فأي عمل تعمله أو تصرف تقوم به دع في بالك أن الإمام يراك ويشاهد ما تعمل.

وهذا يحمل الإنسان الشيعي مسؤولية أعظم في سلوكه وفي حياته.

فإحياء أمر أهل البيت في وسط أتباعهم وشيعتهم يكون بمعنى المزيد من الاقتداء والالتزام والاتباع لأهل البيت.

ولذلك هذه المجالس حينما تحيى ونجتمع في فيها في هذه المناسبات لابد تكون دافعاً لنا للالتزام والتقيد بالدين وبأوامر أهل البيت.

الدائرة الثانية: الدائرة الاسلامية:

أهل البيت ليسوا حكراً على قبيلة اسمها قبيلة الشيعة، المسألة ليست قبلية. فلدى أهل البيت رسالة لكل المسلمين، وهم هداة لكل المسلمين. ولذلك يجب أن يصل فكرهم إلى كل المسلمين. فيجب أن يحيى ذكر أهل البيت وأمرهم في الدائرة الإسلامية العامة. أبناء الأمة الإسلامية ينبغي أن يعرفوا فكر أهل البيت.

ولذلك أكد الإمام الرضا: «أن يتعلم علومنا ويعلمها الناس». لماذا؟ «فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لتبعونا».

فإذا اتضحت سيرة أهل البيت للناس، وإذا انتشر فكرهم بين الناس حتى من غير أتباعهم والموالين لهم؛ فإنه يكون لهذا أثر كبير في استقطاب الناس إلى خط أهل البيت وإلى منهجهم.

وهذه التوعية بفكر أهل البيت عليهم ونشر سيرتهم ينبغي أن تكون بالأسلوب المناسب: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ[12] . ولذلك يقول مدرك الهزهاز قال لي الإمام الصادق: «أقرئ أصحابنا السلام ورحمة الله وبركاته، وقل لهم: رحم الله امرأً اجتر مودة الناس إلينا، فحدّثهم بما يعرفون وترك ما ينكرون»[13] ، استقطبوا مودة الناس إلى أهل البيت، وتخاطبوا مع الناس على قدر عقولهم، على قدر تقبلهم. ليس من الصحيح أن تتحدث مع الناس عن أشياء حينما يسمعونها ينفرون منها، أو يواجهونها بردة فعل، هذا خطأ. لا تحدث الناس بما ينكرون، حدثهم بما يعرفون يعني بما يمكن أن يقبلوه ويستوعبوه. فإذا كانت هناك حقيقة من الحقائق لجعلهم بها لا يدركون ارفع حالة الجهل عنهم أولاً ثم تحدث. ولذلك من يتحدثون في أمثال هذه المجالس لازم أن يتنبهوا إلى أن من يستمع هذا الكلام ليسوا فقط ضمن الدائرة الأولى فاللازم أين يكون الكلام معقولاً ومنطقياً ومستوعَباَ عند الآخرين، وإلا فأنت تسيء إلى أهل البيت فيما إذا خرجت شيء لا يمكن استيعابه وتقبله.

وفي رواية جميلة عن جابر الجعفي رضي الله عنه يقول:«دخلت على أبي جعفر وأنا شاب، فقال: من أنت؟ قلت: من أهل الكوفة جئتك لطلب العلم، فدفع لي كتاباً وقال لي: إن أنت حدثت به حتى تهلك بنو أمية فعليك لعنتي ولعنة آبائي. وإن أنت كتمت منه شيئاً بعد هلاك بني أمية فعليك لعنتي ولعنة آبائي»[14] .

وهذا يعني أنه لابد أن ترى الظرف المناسب لما تقوله عن أهل البيت، ولما تحدث به من أحاديث أهل البيت، فالإمام هو بنفسه دفع له هذا الكتاب لكنه قاله له: إن الظرف غير مناسب لهذه الأحاديث. لذلك على الإنسان يراعي الظرف المناسب، والمحيط المناسب، والكلام المناسب. فقد اشتهرت روايات عن الرسول : «إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم»[15] .

ومن الخطأ أن يتحدث الإنسان في أي شيء سواء كان مناسباً أم غير مناسب، يفهمه الطرف المقابل أم لا يفهمه. قال الإمام الصادق: «كونوا زين لنا ولا تكونوا شيناً علينا».

فينبغي للخطاب الديني لمدرسة أهل البيت عليهم السلام ان يأخذ بالاعتبار هذا الجانب، حتى يقوم بدوره تجاه أهل بإيصال رسالته إلى كل المسلمين، فمن المؤسف أن الكثير من المسلمين لم يصلهم شيء من مدرسة أهل البيت. أين روايات أهل البيت؟! أين كتب أهل البيت؟! فنهج البلاغة لابد أن يصل لكل مسلم، وكذا الصحيفة السجادية. وينبغي أن تكون سيرة أهل البيت وحياتهم واضحةً لكل مسلم.

من يتحمل هذه المسئولية؟

أتباع أهل البيت هم الذين يتحملون هذه المسؤولية؛ فإن الشيعة السابقون ضحوا بنفوسهم وحياتهم، بدمائهم أموالهم حتى يحفظوا تراث أهل البيت وينقلوه للناس، ونحن مؤتمنون على هذا التراث، وهذه الخزائن من الثروة الهائلة، لا لأجل أن ندخرها ونبقيها ونكتبها، بل علينا مسؤولية إظهارها ليعلمها بها الناس، «فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لتبعونا».

الدائرة الثالثة: الدائرة الإنسانية العامة:

العالم اليوم تسوده حالة الوعي، مما يساعد على استيعاب القيم والمفاهيم والمبادئ الإنسانية التي تنسجم مع فطرة الإنسان ومصلحته. وهذا الوقت مناسب جداً لعرض سيرة أهل البيت ومفاهيمهم.

عن ماذا يتحدث الناس في العالم من القيم والمبادئ؟

إنهم يتحدثون عن حقوق الإنسان. وفي سيرة أهل البيت تتجلى وثائق عظيمة ورائعة عن حقوق الإنسان.

فقد كتب جورج جرداق وهو كاتب مسيحي قرابة خمس وثلاثين سنة كتاباً عن واحد من أئمة أهل البيت هو علي بن أبي طالب ، تحت عنوان (علي وحقوق الإنسان) تجد في هذا الكتاب شيئاً يسيراً من سيرة الإمام وليس كل سيرته أو كلامه في هذا المجال. ولو أن كلام أهل البيت وسيرتهم فيما يرتبط بحقوق الإنسان يبرز للعالم ويطرح أمام البشرية العالم من هم أهل البيت، ولعرفوا قيمة أهل البيت العالم.

كما يتحدث العالم اليوم عن الحرية والديمقراطية. اقرأ في مدرسة أهل البيت عليهم السلام وكلامهم تجد أروع المفاهيم والضوابط والمواقف والممارسات لاحترام الحرية.

وكذا تتحدث البشرية عن الحفاظ عن البيئة. اقرأ في مدرسة أهل البيت لترى كيف يعرضون هذا الأمر بالتفاصيل.

وفي الجملة لا تجد قضية من القضايا التي يتحدث عنها الإنسان اليوم وتهم الإنسان في العصر الحديث إلا وترى في مدرسة أهل البيت حول هذا الشيء الكثير.

والسؤال: من يستنبط؟ من ينشر؟ من يعلن للعالم عن هذه الأفكار والمبادئ والقيم؟

هذه هي مسؤوليتنا شيعة أهل البيت. ليست مسؤوليتنا البكاء على أهل البيت، ومن الخطأ أن نتحدث فيما بيننا عن أهل البيت، بل ينبغي أن ننقل سيرة أهل البيت بصورة مناسبة للعالم.

امرأة مثقفة وكاتبة من اليابان مستعربة ترجمت كتاب (سيدات بيت النبوة) للمؤلفة المصرية المعروفة عائشة بنت الشاطئ، التي توفيت هذا العام، فأسلمت بعد أن ترجمت الفصل الخاص بسيرة فاطمة الزهراء عليها السلام، وقد كتبت بنفسها عن ذلك، وتناقلت ذلك صحف القاهرة. وقد ذكرت جريدة الحياة هذا الموضوع هذه السنة عند حديثها عن وفاة بنت الشاطئ.

ومما قالته هذه الكاتبة: حينما كنت أترجم الفصل الخاص بالزهراء عليها السلام لم أكن أستطيع مغالبة دموعي، فكنت ترجم وأنا أبكي، وكنت أرى أن عاطفتي وفطرتي وضميري يتناغم مع ما أقرأه عن حياة فاطمة الزهراء.. فدخلت إلى الإسلام.

أسلمت لأنها قرأت فصلاً من كتاب يتحدث عن فاطمة الزهراء. فما عسى أن يكون لو سيرة أهل البيت عليهم السلام تعرض للعالم، وتعد الأفلام الموثقة عن سيرتهم، كم سيكون التأثر مدهشا وعظيما. إذ لاشك أن سيرة أهل البيت ومواقفهم وتعاليمهم إذا وضحت للعالم الذي لا يعيش حالة التشنجات والتعصبات المذهبية فينظرون إلى الحقيقة كما هي؛ لاشك أنه يتأثرون بأهل البيت عليهم السلام.

فمن المسؤول عن إيصال فكر أهل البيت للعالم؟ وعن نشر حياتهم للعالم؟

إن آباءنا وأجدادنا -جزاهم الله كل خير- يكدحون طوال حياتهم وعندما يمتلك أحدهم قطعة أرض أو نخل أو بيت يجعله وقفاً لأهل البيت عليهم السلام. لماذا يجعله وقفاً لأهل البيت؟

إنما فعل ذلك لنه يجد نفسه معنيُّ ومسؤول عن إحياء أمر أهل البيت ليس فقط في حياته بل حتى بعد مماته يجعله صدقة جارية. يقف الأوقاف لإحياء أمر أهل البيت، فهم كانوا متحملين لمسؤوليتهم، وكانوا يعملون وفق الظروف المتاحة لهم.

أما نحن الآن فمسؤوليتنا أكبر والظروف أمامنا أوسع، ولذا علينا أن نجتهد حينما تمر هذه المناسبة؛ لأن موسم محرم موسم الولاء لأهل البيت، فينبغي أن يكون صدى هذه مناسبة هذه الأيام العشرة في بداية كل عام هجري واسعا وكبيرا على مستوى العالم.

أما أن يجلس مائة شخص أو مائتان، ألف أو ألفان في حسينية ونتحدث عن أهل البيت، فهذا كان يمكن أن يسقط عنا المسؤولية تجاه أمر أهل البيت قبل قرن من الزمن، أما في هذا الزمن فإنه لا يسقط عنا المسؤولية، فلا تكفي هذه الأعداد تتحدث عن الإمام الحسين في عاشوراء، بل البشرية كلها ينبغي أن تعيش ذكرى أبي عبدالله الحسين .

وذلك ممكن، لأن الوسائل متاحة والظروف مناسبة والإمكانيات موجودة. فالفكر موجود عند أهل البيت وشيعتهم، والإمكانيات موجودة عند أهل البيت، لكن تحمل المسؤولية غير موجود.

ولا يظن أحد أن المسؤولية تجاه هذه المناسبة هي أن يقيم من لديه وقف مأتما لا يحضره إلا القليل من الناس، أو أن يعد الطعام وإن لم يجد من يأكله، بل المسؤولية هي: «رحم الله من أحيا أمرنا» و «لو علم الناس محاسن كلامنا لتبعونا» فنحن مسئولون عن تقديم فكر أهل البيت وسيرتهم للعالم. هذا واجب شرعي، وهو الذي يسبب العزة والقوة لنا.

ومن العيب ونحن نستند إلى هذا الفكر النير المشرق وسمعتنا مشوهة بسبب الدعايات ضد مذهبنا. وليس اللوم في ذلك على المناوئين لنا؛ لأن ذلك هو ما يتوقع من المناوئ، بل اللوم يلقى علينا: لماذا نترك الساحة فارغة أمامه يبثون سمومهم وينشرون دعاياتهم ونحن عندنا هذا الفكر النير المشرق، والحقائق الواضحة.

وليس بوسعنا أن نتعذر بعدم القدرة على العمل أو ماذا يمكننا أن نعمل، فالعالم مفتوح والوسائل متعددة. وليس العمل محصور في بلد من البلدان، بل أمامنا العالم بأسره.

يجب أن نتحمل مسئوليتنا وأن نشعر بالخجل أمام أئمتنا لأن من يأتمون وينتسبون إلى غير أهل البيت ينشرون من خيالاتهم فضائل ومعاجز وكرامات، ونحن عندنا حقائق لماذا لا ننشرها.

وأيام عاشوراء موسم لإحياء أمر أهل البيت، وهذه المراسيم لم نبتدعها بل أهل البيت وضعوا أسسها وكلامهم وفعلهم حجة عندنا، وقد أمرونا بإحياء هذه المناسبات، ونحن ملزمون بالامتثال. وقد ورد عنهم تفصيل إحياء الذكرى والبكاء على مصيبة الإمام الحسين وبتخليد هذه المأساة وهذه الظلامة.

لماذا؟

لأنها تخدم إحياء أمرهم «رحم الله من أحيا أمرنا».
[1]  بحار الأنوار، ج44، ص282، الحديث رقم 14.
[2]  سورة النحل، الآية 44.
[3]  بحار الأنوار، ج23، ص147، الحديث رقم 111.
[4]  بحار الأنوار، ج1، ص199، الحديث رقم 3.
[5]  بحار الأنوار، ج2، ص30، الحديث رقم13.
[6]  بحار الأنوار، ج2، ص100، الحديث رقم 59.
[7]  شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد المعتزلي، ج16، ص205.
[8]  بحار الأنوار، ج67، ص97، الحديث رقم 4.
[9]  بحار الأنوار، ج2، ص80، الحديث رقم 76.
[10]  بحار الأنوار، ج65، ص164، الحديث رقم 13.
[11]  سورة التوبة، الآية 105.
[12]  سورة النحل، الآية 125.
[13]  بحار الأنوار، ج2، ص65، الحديث رقم 4.
[14]  بحار الأنوار، ج2، ص70، الحديث رقم 28.
[15]  بحار الأنوار، ج1، ص85، الحديث رقم 7.