الغريزة الجنسية بين الإثارة و العفة

الشيخ حسن الصفار *

قال الله العظيم في كتابه الحكيم:

بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [1]  صدق الله العلي العظيم.

الثنائية في الوجود:

شاءت حكمة الله سبحانه و تعالى أن يجعل نظام الكون قائماً على الزوجية و الثنائية، فكل شيء في الكون و الحياة قائماً على أساس هذه السنّة والنظام.

يقول تعالى: ﴿ وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ [2]  .

وتفرد الله سبحانه وتعالى بالوحدانية فهو الواحد الذي لا شريك له، وأمّا كل شيء في الكون فهو خاضع لسنّة الزوجية والثنائية. فالإنسان أيضاً خلقه الله تعالى على صنفين ﴿ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى [3]  و لكل منهما اتجاه وميل للآخر، أي الذكر والأنثى، و هذا الميل هو الذي يعبّر عنه بالغريزة الجنسية. وعن طريق هذه الغريزة وهذا الميل المتبادل شاءت حكمة الله تعالى أن يكون استمرار النوع البشري، فيحصل التلاقح فيما بينهما وحينئذٍ يحصل النتاج البشري ويستمر النوع البشري.

ولكن الغريزة الجنسية تُعتبر من أهم و أخطر الغرائز في حياة الإنسان، فالإنسان عنده غرائز عديدة وكثيرة، لكن من أهمها وأخطرها الغريزة الجنسية وهي تستيقظ عند الإنسان في نهاية العقد الأول من عمره أي قرابة السنة العاشرة من عمره، وبالطبع الغرائز لا تظهر فجأة وإنما تظهر بشكل تدريجي.

ومن الغرائز غريزة حب التملك والاستئثار حيث يرصدها العلماء على أنها تظهر عند الطفل في السنة الثانية من عمره تقريباً. ولم يلاحظوا قبل هذا السن أي آثار لهذه الغريزة، ولكن بعد هذا السن تبدأ تتبلور شيئاً فشيئاً حتى تصبح حاكمة في شخصيته.

حقيقة الغريزية الجنسية:

وعن الغريزة الجنسية يقول العلماء إنها تبدأ في قرابة السنة العاشرة من عمر الإنسان ولكن ليس هناك جواب دقيق ولا قطعي حول الموضوع. لكن يمكن أخذ صورة معيّنة تقريبية، أما الوصف الدقيق فيحتاج إلى بحث علمي.

كل الغدد الموجودة في الإنسان بما فيها الغدة التناسلية خاضعة لغدة يطلقون عليها ملكة الغدد وهي الغدة النخامية وتكون في أسفل المخ، وهي أيضاً خاضعة لمنطقة في المخ يطلقون عليها اسم (تحت المهاد).

وهذه المنطقة تعمل على منع الغدة النخامية من إعطاء أوامرها فقط للغدد التناسلية وأما باقي الغدد فلا تعمل على منعها وبالتالي تكون الغريزة الجنسية عند الإنسان غير مستيقظة إلى أن يأذن الله سبحانه وتعالى، فإذا توقفت المنطقة (تحت المهاد) عن منع وحضر الغدة النخامية حينئذٍ تبدأ ملكة الغدد (الغدة النخامية) تنشط وتثير وتغدي وتحرك الغدد التناسلية وبالتالي تنطلق الغريزة الجنسية عند الإنسان.

ولكن يبقى -وكما يقول العلماء- أن الأمر في حاجة إلى المزيد من البحوث، حيث إن حياة الإنسـان وشخصيته من الدقة والإتقان والتعقيد، لدرجة أنها لم تفهم من كل الجوانب، وهذا ما أمكن الوصول إليه في الوقت الحاضر عن الغريزة الجنسية.

فإذا تحركت الغريزة الجنسية عند الإنسان هنا يصبح مكلفاً وتتكامل شخصيته ويعترف له بأنه أصبح شخصية ناضجة ومؤهلة، وهذا ما يطلق عليه من الناحية الشرعية (التكليف والبلوغ).

فما هو معنى التكليف و البلوغ ؟
لا يكون الإنسان قبل البلوغ مكلّفاً، ولا توجه له الأوامر الشرعية، فإذا بلغ –أي حينما تستيقظ الغريزة الجنسية سواء كانت للذكر وعلامتها القطعية خروج المني منه أو للمرأة وعلامتها القطعية بدء الدورة الشهرية أي الحيض عندها- هنا يصبح الإنسان مكلفاً من الناحية الشرعية.

ولكن فيما لو حصل تأخر في الغريزة الجنسية، أي تأخر في ظهور الحيض عند المرأة و تأخر خروج المني عند الرجل نظراً لاختلاف الأشخاص من شخص إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى وأيضاً العوامل الوراثية تكون سبباً رئيسياً في ذلك.

فهل هناك عمر زمني يصبح الإنسان مكلفاً ببلوغه؟

هنا اختلاف بين فقهاء المسلمين. فجمهور من المسلمين يرون أن إكمال خمس عشرة سنة لكلٍ من الرجل والمرأة يجعله بالغاً مكلفاً. وأما بالنسبة لنا نحن الشيعة الإمامية فيرى فقهاؤنا أن الرجل يبلغ إذا أكمل خمس عشرة سنة، والمرأة تبلغ إذا أكملت تسع سنوات، سواء استيقظت الغريزة الجنسية لكل منهما أم لا ويكونون من الناحية الشرعية مكلّفين.

وهذا الرأي بناءً على روايات صحيحة عند علمائنا وفقهائنا مروية عن أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم.

وبعض جمهور المسلمين لا يرون هذا الرأي ولا ذاك مثل الإمام مالك إمام المذهب المالكي، فعنده رأي خاص، فسن البلوغ عنده هو ثماني عشرة سنة لكل من الرجل والمرأة. وأمّا الإمام أبو حنيفة، إمام المذهب الحنفي، فيرى أن المرأة تبلغ إذا أكملت السابعة عشر من عمرها والرجل إذا أكمل سن الثامنة عشر من عمره.

وينقل عن الدروز وهم فئة من المسلمين أنهم يرون سن التكليف أربعون سنة، وهذا لم ينقل من مصادرهم وإنما عمن يكتبون عنهم، وهذا ما يشاع عنهم، فالمرجو من اللذين يقرؤون عن الفرق الإسلامية أن يأخذوا من مصادرهم وأن يبقى الأمر محتمل الصواب أو الخطأ هذا إن لم تكن من مصادرهم.

فإذن وصول الإنسان إلى سن البلوغ، أي أنه حينما يصبح معترفاً به من قبل الله سبحانه وتعالى بأنه مكلّف ومؤهل فهذه نعمة كبيرة لبلوغه هذه المرحلة.

فهذا أحد علمائنا الكبار / السيد ابن طاووس رحمة الله عليه ألف كتاباً جميلاً اسمه (التشريف ببلوغ سن التكليف) وفيه رصد لنفسه في أي يوم أصبح بالغاً، وفي أي سنة، وكان يحتفل في كل سنة ببلوغه ويشكر الله على هذه النعمة لأنه أصبح مكلّفاً مخاطباً من قبل الله سبحانه وتعالى ببلوغه، أي عند بدء الغريزة الجنسية.

فلماذا يرتبط التكليف مع فعل وفاعلية الغريزة الجنسية ؟
نستطيع أن نستنتج ونستفيد من هذا الأمر أن الامتحان الحقيقي للإنسان يبدأ مع استيقاظ تلك الغريزة. أما بقية الغرائز فقد يتعامل الإنسان معها ويسيطر عليها ويستطيع أن يصمد أمامها، بينما الغريزة الجنسية تبقى هي الغريزة الأخطر، فإذا انتبهت هذه الغريزة دقت إشارة بدء الامتحان و يكون حينها مكلّفاً شرعاً.

خطر الغريزة الجنسية والحض على الزواج:

ولخطورة هذه الغريزة ولأهميتها نجد من الأحاديث ما يتحدث عن أنّ الإنسان إذا سيطر على غريزته بالطريقة السليمة حفظ نصف دينه أو ثلثي دينه. كقول رسول الله صلى الله عليه و آله: «من تزوج فقد أحرز نصف دينه»[4]  وفي رواية أخرى: «ثلثي دينه»[5] . فخطر الانحراف عن الدين غالباً يأتي من هذه الغريزة، بحيث لو أن الإنسان أشبعها إشباعاً سليماً وصحيحاً، لسدّ على نفسه خمسين في المائة إن لم يكن أكثر من منافذ الانحراف ومن منافذ الفساد والعياذ بالله.

لهذا ورد الذم للعزوبة والإنسان الأعزب في الأحاديث ما يكفي لتنفيرنا منها، كقول الرسول صلى الله عليه و آله: «شراركم عزابكم»[6]  وفي رواية أخرى: «شرار موتاكم العزاب»[7]  فلهذا عندنا في الدين الإسلامي تشجيع وتحريض كثير على الزواج، أي الإشباع السليم للغريزة الجنسية، وتنديد كبير بالعزوبة على اعتبار أنها إمّا كبت للغريزة وإما فسح المجال لها بشكل غير مشروع.

لذلك بعض فقهاء المسلمين وهم أتباع المذهب الظاهري وهو من المذاهب المنقرضة وله أتباع قلائل ومن هؤلاء ابن حزم وداوود الأصفهاني، يرون أنّ الزواج واجب عيني على كل مسلم مستطيع، ولكن عامة فقهاء المسلمين ما عدا الظاهرية يرون أنّ الزواج مستحب، إلا إذا خاف المرء على نفسه الوقوع في الحرام، والزواج يحصّنه من الحرام بهذا يصبح الزواج عليه واجب.

ومما يُنقل أنه «دخل على رسول الله صلى اللهم عليه وآله سلم رجل يقال له عكاف بن بشر التميمي فقال له النبي صلى اللهم عليه وآله سلم: يا عكاف هل لك من زوجة؟ قال: لا. قال: ولا جارية، قال: ولا جارية. قال: وأنت موسر بخير، قال: وأنا موسر بخير. قال: أنت إذن من إخوان الشياطين، ولو كنت في النصارى كنت من رهبانهم إن سنتنا النكاح»[8] .

وفي حديث آخر: «النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني»[9] .

فالنصارى المسيحيون يُلزمون القائمون بالوظائف الدينية أي الرهبان والقساوسة بعدم الزواج إمّا تحريماً أو كراهةً له على حسـب اختلاف مذاهبهم وطبقاتهم، وبالابتعاد عن الجنس لأنهم يعتبرونه دَنساً وهو لا يتناسب مع الإنسان المتدين. ولكن الإسلام أراد أن يصرف تلك الطاقة (الغريزة الجنسية) في مجراها الصحيح فحث على الزواج. فقد جاء رجل يسأل رسول الله فقال: أأنت تتزوج؟ … يعني بذلك الرسول .

فالملاحظ أنّ من بعض الناس كانوا يتعجبون مما ما كان يفعله الرسول من أنّه كان يتزوج، وقالوا: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ[10] . فالرسول والإمام ورجل الدين كلهم بشر عندهم نفس الغرائز التي عند البشر فكيف يُمنعون من ممارسة الجنس والغريزة الجنسية؟! فكيف يمكن ذلك والغريزة الجنسية عميقة وخطيرة في نفس وشخصية الإنسان؟! و ملحوظ أنهّا تختلف عن باقي الغرائز مثل الجوع والعطش. فهذه الغرائز حاجة بيولوجية جسمية داخلية فإذا لم يلبِّ الإنسان تلك الحاجة فإنه لن يستطيع أن يعيش في هذه الدنيا.

لكن الأمر يختلف بالنسبة للغريزة الجنسية. فإلحاحها وبشكل عام ليس كمثل إلحاح غريزة الجوع والعطش فإن لم يشبعها الإنسان لم تتعطل حياته وحركته، وليست هي حاجة داخلية مائة في المائة و إنّما ولحوافز خارجية تعمل على تحريك وتأجج هذه الغريزة. ربما شاءت حكمة الله وجودها في نفس الإنسان وشخصيته من أجل استمرار النوع البشري وانتظام حياته الاجتماعية. فالميل لكل من الرجل والمرأة والعلاقة التي تنشأ بينهما مصدر من مصادر راحة واطمئنان الإنسان. قال تعالى ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ[11]  و في آية أخرى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً[12] .

الإطار الصحيح لإشباع الغريزة الجنسية:

الإسلام لا يريد تعطيل وكبت هذه الغريزة، لكن أيضاً ليس من الصحيح أن يطلق لها العنان ودون قيود، وإنما يتم إشباعها في الإطار السليم والصحيح الذي حدده الإسلام و هــو

الزواج:

الزواج هو الإطار الطبيعي والسليم الذي يُشبع الإنسان من خلاله غريزته الجنسية ويقيم قاعدة البناء الاجتماعي (الأسرة) وبها يتم استمرار النوع البشري وماعدا العلاقة المشروعة (الزواج) فقد حرّم الإسلام أي طريقة للتعاطي مع هذه الغريزة.

قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ[13] .

ضوابط التعامل بين الجنسين:

ربما أنّ طبيعة حياة الإنسان حياة اجتماعية فيها تعاطي بين الصنفين (الرجل و المرأة) وهناك ميول لدى الجنسين فيما بينهما. كل هذه العوامل تعمل على تأجج الغريزة الجنسية لكل منهما، لهذا وضع الإسلام ضوابط وقيود للتعاطي بين الرجل والمرأة. فلو لم تكن هناك ضوابط بينهما لأصبح التلاقي بين الذكر والأنثى حافزاً ومشجّعاً للغريزة الجنسية، ويصبح الإنسان والعياذ بالله كالحيوان في سلوكه.

إذن لا بد من ضوابط و لكن ما هي تلك الضوابط ؟

1- غض البصر:
قال تعالى ﴿ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ الغض معناه التنقيص والتقصير مثل اغضض من صوتك أي اخفض صوتك؛ فالمراد من الآية الكريمة أنّ الله يخاطب المؤمنين بأن يخفضوا أو يقللوا من النظر، لكل من الذكر أن لا ينظر بتركيز إلى المرأة، ولا المرأة تنظر بتركيز للرجل. فالنظر بصورة مركّزة ومريبة يعمل على تحريك الأحاسيس وتأجج الغريزة الجنسية عند كل من الرجل والمرأة، وهذا لا يجوز.

2- الحجاب والتستر العام:
ومن جانب آخر أيضاً وضمن مساحة معينة بالنسبة للمرأة يجب عليها أن تستر كل جسمها عن الرجل الأجنبي ما عدا منطقتين فهناك نقاش عند فقهائنا حولهما، وهما الوجه و الكفان.

فبعض الفقهاء منهم المرجع المعاصر الشيخ الغروي (حفظه الله) يرى أن إظهار هاتين المنطقتين حرام بأي شكل من الأشكال.

وبعض الفقهاء يقولون: ليست الحرمة هي الأصل في إبداء الوجه والكفّين إلا إذا كان إبداؤهما يدعو إلى الوقوع في الحرام فهما حرام، أي أن إبداء الوجه والكفين إذا كان يسبب فتنة فهو حرام وهو رأي المرجعين السيد السيستاني والسيد الشيرازي (حفظهما الله).

إذن يجب على المرأة أن تحفظ جسمها عن الرجل الأجنبي والعكس صحيح بالنسبة للرجل.

ولا يجوز أيضاً الخلوة بين الرجل والمرأة الأجنبيين في مكان منفرد، فهذا حرام شرعاً (ما خلا رجل بامرأة إلاّ كان الشيطان ثالثهما).

أهمية الضوابط:

ولكن وللأسف الشديد تلك الضوابط لا تروق لبعض الناس فالمسألة في رأيهم تعتمد على النضج لكل من الرجل والمرأة، أي ما دام لكل منهما نضج ووعي في الشخصية فلا خوف عليهما من ارتكاب الحرام. فكم من فتاة محجبة لكن و العياذ بالله تصدر منها أعمال محرمة، وكم من شاب يتظاهر بغض النظر لكن تصدر منه أعمال محرمة، فالمسألة إذن مسألة النضج والوعي وليست الحالة الظاهرية.

ولكن العقل يخالف هذا الرأي و يعتبره خطأ، فهو ليس صحيح لا من الناحية النظرية ولا من الناحية العلمية؛ لأن الإنسان من الناحية النظرية، مهما كان مستواه العلمي والفكري، الغريزة الجنسية لديه حاجة ملحة، فالعلم لا يمنع و يقضي على الغريزة الجنسية. صحيح يفترض أن يكون أكثر تحكماً في غريزته ولكن هذا ليس دائماً.

أحد الكتّاب يصوّر العلاقة بين الجنسين بالتيار الكهربائي، فالأسلاك الكهربائية السالب والموجب مفصولان عن بعضهما ويلتقيان في المنطقة المناسـبة ليحدثا القوة الكهربية والدفع الكهربائي فالأسلاك (السالب و الموجب) ليست ملتقية دائما.

إذن الالتقاء من دون ضوابط ليس من صالح الإنسان، ويجعل الغريزة الجنسية تفلت دون سيطرة عليها.

ونحن نرى ونسمع على الصعيد الواقعي ما يجري في المجتمعات الغربية وما تسلل إلى مجتمعاتنا.

فهذا الرئيس الأمريكي وهو رئيس أكبر وأقوى دولة في العالم وهي تملك أكبر ترسانة نووية قادرة على تحطيم العالم في لحظات، فماذا تتوقع من هذا الرئيس أليس عنده وعي ونضج، ولكن ما يدور في وسائل الإعلام عن قضية عن تحرشاته وفضائحه الجنسـية التي مازال التحقيق إلى الآن جارياً فيها. ويعتبر كلنتون أول رئيس أمريكي يشارك في احتفال لمنظمة الشاذين جنسياً ودعا في الاحتفال أن لا يكون هناك تمييز في المجتمع الأمريكي، فهؤلاء في نظره أحرار فيما يمارسون من شذوذ جنسي. ولهذا أصدرت عدة منظمات اجتماعية وإنسانية في أمريكا بيانات تدين هذا الأمر. وما شاء الله كم سياسيين وكم شخصيات في مختلف المستويات أدينوا بالشذوذ الجنسي.

إذن النصح والوعي ليسا كافيين في أن نهيئ أجواء العفة والحشمة في مجتمعاتنا، فلا يصح التنازل عن ضوابط الغريزة الجنسية فالتنازل عنها خطأ كبير.

ومنذ فترة بسيطة وزير الدفاع الأمريكي أصدر قراراً بفصل مقرات المجندات المتدربات في الجيش الأمريكي عن الرجال المتدربين لحصول عدة حالات من العلاقات غير المشروعة والتحرشات، ولانشغال كل منهما بالآخر عن التدريب العسكري.

وقبل شهور أيضاً بدأت في ولاية كليفورنيا خمس مدارس بتجربة الفصل بين الأولاد والبنات وبتشجيع من حاكم ولاية كليفورنيا. وعُقد مؤتمر صحفي و عُرضت إحصائيات وأرقام التحرشات والفضائح والتخلف الدراسي الناتج عن مزج الأولاد والبنات في المدارس، ودُعي في المؤتمر إلى ضرورة الفصل بين الأولاد والبنات على مستوى المدارس.

وهناك الآن أصوات ودعوات كثيرة في الغرب بدؤوا يشعرون بخطورة الأوضاع المعاشة عندهم. ففي فرنسا تأسست منظمة شعارها (الحب الحقيقي يستطيع الانتظار) فالإنسان عندهم الذي يحب حباً حقيقياً ينتظر العلاقة المشروعة وهي الزواج وقد سـجّل في عضويتها ألوف من الناس.

وفي أمريكا منظمة مشابهة لها بلغ عدد أعضائها مائتين وثلاثين ألف إنسان يدعون إلى الحشمة والعفة في العلاقة بين الرجال والنساء.

ولماذا كل هذا؟

لأنهم ذاقوا الويلات والمآسي الصحية التي ظهرت فيهم ومنها مرض العصر (الإيدز) أي فقدان المناعة لدى الإنسان.

وبحسب تقرير منظمة الصحة العالمية عند سنة ألفين سوف يكون عدد المصابين بالإيدز في العالم أربعون مليون شخص.

وينتشر هذا الوباء انتشاراً كبيراً ومن أهم أسبابه العلاقة الجنسية غير المشروعة بعد انهدام الحياة العائلية، لأنه إذا كان متاحاً للإنسان ممارسة الجنس خارج الإطار الشرعي، وخارج العلاقات الزوجية فهذا يؤثر على بقاء وسلامة الحياة العائلية والأسرية، وهذا واضح.

فكم رأينا وكم سمعنا كيف أنّ أناس وعلى مستويات كبيرة جداً تحصل منهم الخيانات الزوجية. فمثلاً ولى عهد بريطانيا الأمير تشارلز وزوجته الأميرة ديانا التي توفيت، فكل واحد منهما اعترف بالخيانة الزوجية للآخر.

إذن الانفلات في ممارسة الغريزة الجنسية له عواقبه الواضحة فهو يؤدي إلى انهدام الأسر. وبسبب التفكك الأسري تكثر الجرائم. ولعلّ الكثير من الناس ممن سمع عن شبكات الاعتداء على الأطفال و القُصّر جنسياً، وهي شبكات يشارك فيها مسؤولون على مستويات كبيرة.

ففي بلجيكا حدثت مظاهرات ضد هذه الحالة ومثلها في كندا والعديد من دول العالم تطالب بوقف هذه الجرائم، لكن دون فائدة؛ لأن الأجواء عندهم غير محتشمة.

ونحن كمسلمين أجواؤنا تسودها العفة والحشمة والحمد لله، ومجتمعاتنا محافظة، والرجال والنساء يلتزمون بالأحكام الشرعية. وما نراه من ازدياد في معدلات الجريمة سببه الانفتاح الإعلامي، وبسبب المحطات الفضائية والبث المباشر، والتي تذيع تلك المسلسلات المدبلجة والتي تصل إلى بيوتنا وتغزونا في عقر دارنا، ومع الأسف يتلقاه أبناؤنا وبناتنا. فهذا الإعلام السيئ له أثر سلبي كبير فهو يشجع ويحفز الغريزة الجنسية عند الإنسان. فالسيارة المنحدرة من أعلى جبل مرتفع تحتاج هذه السيارة لكوابح و لفرامل لكي توقفها، ولكن هذا الإعلام يكون بمثابة الوقود في السيارة فيزيد من سرعتها ويحصل الهلاك والدمار عند نهاية المطاف.

الزواج حصن المجتمع من الفساد.. مسؤولية من؟

الغريزة الجنسية تحتاج إلى كوابح وإلى فرملة خاصةً في بداية تيقظها إي فترة المراهقة والشباب. فيجب أن نبتعد وأن نتحاشى هذه البرامج وهذه الأفلام الهدّامة وهذه المجلات والجرائد المثيرة للغريزة الجنسية. وأن لا نتهاون مع أعدائنا في نشر سمومهم إلينا عن طريق هذه البرامج وأن ننتشل أبناءنا وبناتنا من عدم الانجراف في التيار، وأن نهديهم إلى أجواء العفة والحشمة، ونشجعهم على الزواج. فهذا حصن المجتمع من المخاطر والمهالك التي تنتج عن الغريزة الجنسية غير المشروعة.

والقران الحكيم حينما يتحدث عن الزواج لا يجعله مسؤولية الفرد وإنما هي مسؤولية الكل ﴿ وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ [14]  فالخطاب موجه للمجتمع. فالأب يجب عليه تشجيع أولاده على الزواج، فإن بلغ له ولد وكان قادراً على تزويجه فلم يزوّجه فحدث من الولد انحراف وفساد فالإثم بينهما، فالأب شريك لولده في الإثم، وعليه أن يسعى لتزويج ابنه.

وعلى المجتمع أن يشجّع عملية الزواج عبر الوسائل المختلفة، وأن يحث الناس بعضهم على المساعدة ومد يد العون للراغبين في الزواج، وتخفيف العادات والتقاليد التي تجعل من الزواج عبئاً على الشباب، والتقليل ما أمكن من مهور البنات وتلك الشروط والحفلات المكلّفة.

فهذه كلها عقبات تجعل من الطريق المشروع يقابل بعزوف من الشباب، وبالتالي يسلكون الطريق غير المشروع وهو طريق الحرام، وحينئذٍ يتحول المجتمع إلى مجتمع غير ملتزم وتضعف فيه حالة العفة والحشمة فيحصل ما يحصل في المجتمعات الغربية من حالة تفسح وانحطاط أخلاقي.

وتراهم يحاولون إظهار قيمة المرأة في جمالها وابتذالها عبر مسابقات انتخاب ملكة جمال العالم، وما يحصل من إعلان وإعلام وترويج للأزياء.

هذا كله يدفع المرأة بهذا الاتجاه، فالمرأة دورها في المجتمع أسمى وأرقى، فهي نصف المجتمع ومربية الجيل والنشء وكما قال الشاعر:

الأم مدرسة إذا أعدتها *** أعددت شعباً طيب الأعراق

فالأم هي المتحكمة في مصير الأمة والمجتمع و مستقبل أبنائنا، فعليها ألاّ تستجيب لهذه الدعوات المغرضة والخبيثة، ولتأخذ دورها الحقيقي في المجتمع والتي بإمكانها أن تلعب مواقف أروع وأفضل من كثير من الرجال. والتاريخ يثبت لنا هذا في شخصية السيدة خديجة بنت خويلد سلام الله عليها، تلك المرأة التي ضربت أروع المواقف في عون زوجها رسول الله الذي قال فيها: «قام الإسلام على سيف علي ومال خديجة» ولم تكتفِ بمالها فقط وإنما بذلت كل ما تستطيع من دعم ورعاية وتشجيع معنوي للرسول صلى الله عليه وآلة.

فما أجمل من أن تتمسك أمهاتنا وبناتنا بتلك المثل والقيم العليا، فهي السبيل لخروج هذه الأمة و انتشالها من طريق الظلام إلي طريق النور إن شاء الله تعالى.

والحمد الله رب العالمين

* حسينية العوامي - القطيف، 4 محرم 1419هـ
[1]  سورة النور، الآية 30 – 31.
[2]  سورة الذاريات، الآية 49.
[3]  سورة النجم، الآية 45.
[4]  بحار الأنوار، ج100، ص219، الحديث رقم 14.
[5]  بحار الأنوار، ج100، ص221، الحديث رقم 34.
[6]  بحار الأنوار، ج100، ص221، الحديث رقم 31. ومسند أحمد، الحديث رقم 20477. صخر CD.
[7]  بحار الأنوار، ج100، ص221، الحديث رقم 19.
[8]  مسند أحمد، الحديث رقم 20477. صخر CD. وأشار إليه مختصراً بحار الأنوار، ج100، ص221، الحديث رقم 27.
[9]  بحار الأنوار، ج100، ص220، الحديث رقم 23. وقريب منه في البخاري، النكاح، الحديث رقم 4675، ومسلم، النكاح، الحديث رقم 1401، والنسائي، النكاح، الحديث رقم 3165 وغيرهم. صخر CD.
[10]  سورة الفرقان، الآية 7.
[11]  سورة البقرة، الآية 187.
[12]  سورة الروم، الآية 21.
[13]  سورة المعارج، الآية 29 – 30.
[14]  سورة النور، الآية 32.