بين التحاسد والتنافس1/2

نعرف جميعاً أهمية سلامة الجسم وعافيته، وندرك كم تسبب الإعاقة والأمراض الجسمية من متاعب وعراقيل في حياة الإنسان، لكن الأشد أهمية هو صحة النفس وسلامتها، فإعاقات الجسم وأمراضه يمكن تحملها والتكيّف معها، كما يمكن تجاوز تأثيراتها ومضاعفاتها الحياتية عبر تنمية وتفعيل سائر المواهب والقدرات المتعددة التي يمتلكها الإنسان، فكم من معاق أو مبتلى بمرض مزمن قطع أشواط النجاح في هذه الحياة، وحقق إنجازات تفوق بها على الأصحاء. وفي قائمة العلماء والعظماء أسماء لامعة كثيرة لمعلولين وفاقدين لبعض أعضائهم أو حواسهم.

لكن المعاق في نفسيته بعاهة أو مرض فتّاك تتحول حياته إلى جحيم وشقاء، فهو لا يهنأ ولا يسعد في حياته، ولا يستطيع التعايش والانسجام مع الآخرين. بالطبع هناك فارق أساس هو أن إعاقات الجسم قدر مفروض على الإنسان، خارج إرادته واختياره، بينما عاهات النفس ضمن سيطرته وفي نطاق إرادته وقدرته، وإلا لما استحق عليها الذم والتوبيخ، والتعرض للجزاء والعقاب.

ومن الأمراض النفسية الخطيرة ما يشعل نار العداوة، ويؤجج لهيبها، ويجعل الإنسان في صدام دائم مع الآخرين، فيشقى هو بذلك أولاً، ويسبب المشاكل والمتاعب لمن يقع عليه أذاه.

وفي رأس قائمة تلك الأمراض الفتاكة: الحسد.


التنافس الإيجابي:

حينما يرى الإنسان أشخاصاً ناجحين في الحياة، يتمتعون بنعم وإمكانات، ويحققون إنجازات ومكاسب، فان ذلك ينبغي أن يدفعه إذا كان سليم القلب معافى النفس إلى أن يتطلع هو إلى مثل تلك الحالة، ويسعى إلى تحقيقها في ذاته، عبر العمل وبذل الجهد، وبالتوجه إلى الله تعالى المالك لكل شيء والمعطي لكل خير.

فالإنسان من حبه لذاته، يريد حيازة الخير لها، ويرغب أن يكون متفوقاً على من حولـه، وذلك تطلع مشروع، واندفاع طبيعي، يساعد على إعمار الأرض، وتسخير ثروات الكون، وتفجير طاقات الإنسان، وتحقيق كماله وتقدمه.

إن التسابق نحو خير الدنيا والآخرة مطلوب، يقول تعالى: [q]سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ[/q][1] . ويقول تعالى: [q]فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [/q][2] . ويقول تعالى: [q]وَالسَّابِقُـونَ السَّابِقُونَ. أُوْلَئِكَ الْمُقـَرَّبُون[/q][3] . والتنافـس في ميـدان العمـل مرغـوب، يقـول تعالى:  [q]وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسـُونَ[/q] [4] .

وذلك يعني أن يكثّف الإنسان نشاطه، ويزيد فاعليته، ليسابق الآخرين، ويحرز ما أحرزوا، فالتطلع المجرد، والتمني الفارغ لا ينتج ولا يثمر شيئاً.


الاقتراب من الناجحين:

إن النجاح والتفوق في أي مجال من المجالات، هو ثمرة صفات وسمات معينة، كما ينتج خبرات وتجارب نافعة، فإذا ما رأيت إنساناً ناجحاً متفوقاً في جانب يحظى باهتمامك فعليك أن تقترب منه، لتدرس تجربته، وتستفيد من خبرته، ولترى كيف يمكنك أن تكسب من خلال حالته المتقدمة.

وهذا يستلزم أن تنفتح عليه نفسياً، فتكون نظرتك له إيجابية، فهو عضو في أسرتك البشرية، ومجتمعك الإنساني، ونجاحه وتفوقه في ميادين الخير والعطاء يصب في صالح التقدم العام، وما قد يكون لديه من مواصفات طيبة وعوامل ساعدته على النجاح تستحق الإشادة والتقدير.

هذه النظرة الإيجابية تشجعك على الاقتراب منه، وما ينتج عنها من سلوك وتعامل سيدفعه هو الآخر للتعاطي معك، وتلك هي أرضية الصداقة والعلاقة النافعة المثمرة.

 

الحسد عدوان بلا مبرر:

في الحالة السوية المستقيمة يكون وجود المتفوقين والناجحين حول الإنسان، دافعاً إلى الطموح والتطلع، وسبباً لتوثيق العلاقة والصداقة، أما في الحالة المرضية فانه يشعل نار العداوة والبغضاء، ويؤدي إلى الفتنة والخطر. حيث يزعج الإنسان ويسخطه وجود شخص متميز عليه في محيطه، فينظر إليه نظرة عدائية، ويتمنى زوال النعمة عنه، وقد يسعى لإيقاع الضرر به، ويطلق على هذه الحالة مصطلح "[e]الحسد[/e]".

والحسد ـ كما عرّفـه اللغويون وعلماء النفس والأخـلاق ـ هو تمني زوال نعمة الغير. جاء في لسان العرب: الحسد أن يرى الرجل لأخيه نعمة فيتمنى أن تزول عنه وتكون له دونه. وجاء في ([e]معجم علم النفس والطب النفسي[/e]) بأنه: (مشاعر غير سارة تتولد عن الرغبة في تملك ما يمتلكه شخص آخر مثل الثروة أو الجمال أو المكانة) [5] .

وروى ابن ماجه عن انس أن رسول الله قال:« الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب»[6]  يصف الإمام علي الحسد بأنه: «شر الأمراض» وأنه «رأس الرذائل».  فهو إساءة واعتداء غير مبرر على الغير بلا جرم اقترفه أو ذنب فعله، إلا أنه حظي بنعمة، أو نال مكانة وأحرز مكسبا، يقول الإمام علي : «الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له»[7] .

فهابيل ابن آدم لم تصدر منه أي إساءة تجاه أخيه قابيل، إلا أن الله تعالى تقبل قربانه دون قربان أخيه قابيل، بسبب إخلاصه وتقواه، فثارت حفيظة قابيل، وامتلأت نفسه حنقاً وغيظاً، حسداً لأخيه على مكانته عند الله، واندفع ليرتكب أول جريمة قتل في تاريخ البشر،بتصفية حياة أخيه هابيل.

ويوسف بن يعقوب لم يكن له أي ذنب يستوجب عداء أخوته له إلا ما خصه به أبوه من المحبة والودّ، لتميزه على سائر إخوانه بصفات الكمال ومؤهلات النبوة، فقادهم حسدهم إلى الكيد به والتآمر عليه بتلك الطريقة البشعة التي سجل القرآن الكريم تفاصيلها لتبقى عظـة وعبرة للأجيـال.

الأربعاء 27 محرم 1423هـ، 10 ابريل 2002م، العدد 10526

[1]  سورة الحديد الآية21.
[2]  سورة البقرة الآية148.
[3]  سورة الواقعة الآية10-11.
[4]  سورة المطففين الآية26.
[5]  جابر: د.جابر عبد الحميد - كفافي: د.علاء الدين/معجم علم النفس والطب النفسي ج3 ص1149 دار النهضة العربية/ القاهرة 1990م.
[6]  القزويني: ابن ماجه/ باب الحد.
[7]  المجلسي: محمد باقر/بحار الأنوار ج70 ص256.