التربية وتنمية الخوف

هناك ثلاثة أساليب منحرفة في مجال التربية تجعل من الإنسان شخصية خائفة جبانة مهزوزة ...

أولا: التعامل السلبي مع الطفل:


للطفل رغبات وممارسات تنبع من عدم بلوغه مستوى النضج والرشد، وإذا كان الوالدان مسؤولين عن توجيه رغباته، وتصحيح سلوكه، فعليهما أولا: أن يأخذا بعين الاعتبار كونه طفلاً له حق اللعب واللهو والعناية وارتكاب الخطأ .. وثانيا: أن يسلكا معه الطريق والأساليب التربوية لتوجيهه وتأديبه .. وما يحدث عند كثير من العوائل هو على العكس من ذلك، حيث لا يراعون في الطفل مرحلة الطفولة، ويطلبون منه التزاماً وتأدباً وإداركاً لا يحتملها سنه .. ومن ناحية اخرى تكون اللغة المستعملة مع الطفل غالباً هي لغة الزجر والعصا والإرهاب ... هذا الأسلوب يخالف بصراحة تعاليم الإسلام التربوية، والعائلة التي تمارس الإرهاب مع الطفل تكون مخالفة لهدي النبي في تعامله مع الاطفال .

ومرة كان الرسول يصلي وكان سبطه الحسن بن علي «وكان طفلاً آنذاك» متعلقاً به فوضعه النبي إلى جانبه وصلى، فلما سجد أطال السجود .. يقول أحد الصحابة: فرفعت رأسي من بين القوم فإذا الحسن على كتف رسول الله فلما سلم قال له القوم: يا رسول الله لقد سجدت في صلاتك هذه سجدة ما كنت تسجدها كأنما يوحى إليك، فقال: «لم يوح إلي، ولكن ابني كان على كتفي، فكرهت أن أعجله حتى نزل » (النسائي: أحمد بن شعيب، سنن النسائي ، 230/2 ،ط دار القلم، بيروت).

هذا العمل من النبي تجاه ولده الصغير أمام ملأ من اصحابه نموذج بارز من سلوكه في تكريم الطفل. إن الرسول عمل أقصى ما يمكن من احترام الطفل في إطالته سجدته، وأرشد الناس ضمناً إلى كيفية إحياء الشخصية والاستقلال عند الطفل .

هذا من الناحية الشرعية ...
وأما الانعكاسات النفسية التي يتركها أسلوب التعامل الإرهابي مع الطفل، فإن، ذلك يزرع في نفسه عقدة الحقارة، ويفقده الثقة بذاته، وينمو لديه إحساس بالحقد والانتقام، رداً على ما يعانيه من كبت وضغط .. ومن الآثار السيئة التي يتركها هذا الأسلوب الخاطىء، سيطرة الخوف والإرهاب على نفسية الطفل، وتكيفه مع هذه الحالة .. ويبدو أن أوضح تفسير لخضوع الناس للاستبداد والظلم، تكيف نفوسهم وانسجامها وتعودها على الخضوع للقوة والاستسلام للإرهاب .. لعدم وجود احساس داخلي بالتناقض مع تلك الأجواء !!

كيف تم ذلك ؟

إنك حينما تلبث فترة من الوقت في مكان دافىء، ثم تخرج فجأة إلى مكان بارد، يشعر جسمك بالتناقض ويصطدم بتغير الجو، وقد تمرض نتيجة لذلك، هذا حينما تنتقل فجأة إلى جو مغاير للجو الذي كنت تعيش فيه، أما إذا لم يكن مغايراً فسيستقبل جسمك الجو الثاني بصورة طبيعية ..

وكذلك الإنسان الذي ينشأ من صغره خاضعاً لإرهاب العائلة، تلاحقة السياط والزجر والشتم عند أي حركة أو تصرف .. ثم ينتقل إلى المدرسة حيث لا يقصر بعض المدرسين في مواصلة مسيرة الإرهاب والعنف ضد الطلاب ويتخرج هذا الشاب من الدراسة ليعمل في دائرة اومعمل.. وهناك لا حدود ولا قوانين كافية تحميه من سلبية بعض المسؤولين .. في المقابل لو نظرنا إلى أسلوب التربية وطريقة التعامل مع الأطفال والأولاد في المجتمعات المتقدمة، لرأينا مدى احترامهم لأولادهم، واهتمامهم برعاية مشاعرهم النفسية ... يقول أحد الأصدقاء: أردنا شراء بيت في إحدى الدول الأوروبية، وحصلنا على بيت يشمل المواصفات التي نريدها، وبسعر مناسب، ولكننا حينما ذهبنا لرؤية البيت، اشترط علينا صاحبه أن لا نتحدث عن موضوع الشراء أبداً أمام طفلته، التي كان عمرها خمس أو ست سنوات !! فسألناه لماذا؟ قال: رغم أننا سننتقل إلى بيت افضل ولكن نخشى أن تنجرح مشاعرها حينما تسمع عن إمكانية خروجها من هذا البيت الذي ألفته وأحبته !! قلنا: فكيف ستعملون عند الانتقال؟ قال: إننا سنمهد لذلك معها، ونهيئها نفسياً ليكون الانتقال إلى البيت الجديد شيئا مرغوباً لديها !! إن الطفل الذي ينشأ هكذا محترم الشخصية ، ولرأيه ورغباته اعتبار واهتمام، سيكبر محترماً لنفسه، مدافعاً عن رأيه وحقوقه، وبذلك يصطدم مع أي أجواء تتعامل معه بطريقة تختلف عن الطريقة التي تربى عليها ... هذا عندهم ...

اما عندنا فعلى العكس من ذلك تماماً، حيث يتربى الطفل غالباً في أجواء الخوف والإرهاب مما يجعل نفسيته خاضعة لسيطرة الخوف، متربية عليه ...

ثانياً :التخويف الكاذب


حينما لا يستجيب الطفل لإرشادات أهله يلجأون في بعض الحالات إلى تخويفه بأشياء وهمية ليستجيب لهم تحت ضغط ذلك الخوف .. فيخوفونه(بالجن) ويهددونه (بالشرطي) أو ما أشبه .

والأسوأ من ذلك كله تخويف الطفل بالطبيب أو الحقنة أو الدواء .. مما يخلق مشكلة عويصه، عند مرض الطفل، واحتياجه لمراجعة الطبيب، أو تناول الدواء ...

فتبقى نفس الطفل فريسة لمخاوف غامضة، وأشباح وهمية، وتستمر عادة لديه حالة الخوف من المجهول، والتهيب من الأشباح والأوهام، ولكن رموزها تختلف باختلاف مراحل عمر الإنسان ... أنه أسلوب خاطىء ينمي صفة الخوف المفرط عند الإنسان.

ثالثاُ : الدلال المفرط


كما أن احتقار الطفل، والتعامل الإرهابي معه، أسلوب خاطىء في التربية، فكذلك الدلال المفرط للطفل، هو الآخر أسلوب خاطىء .. إن الدلال المفرط يجعل الوالدين يظهران اهتماما بالغاً ومضخماً بما يصيب الطفل، من مرض أو أذى، حتى ولو كان بسيطاً .. والذي يحدث هو تضخم الأمر في نفس الطفل، واعتقاده بخطورة ما أصابه، وتخوفه من عواقب ذلك ... فإذا ما أشرف الطفل على الوقوع مثلاُ، وهو يمشي، أو من على مرتفع بسيط، تتصرف الأم بطريقة هستيرية مزعجة لتمسك به .. وإذا ما مرض يقيم والداه عند فراشه ، يبديان الكآبة والألم تجاهه .. وإذا ما أصابه جرح أو أذى يقيمان الدنيا ولا يقعدانها .. إن لهذا الأسلوب آثاراً سيئة، من جملتها تهيب الطفل من أدنى خطر، وتخوفه من أبسط أذى .. ويهمنا التنبيه إلى أن تأثير عاملي الوراثة والتربية السيئة، في نمو حالة الخوف المفرط عند الإنسان، ليس تأثيراً حتمياً، تعجز أساليب التوجيه، وإرادة الإنسان عن مقاومته، بل الأمر لا يعدو وجود التهيئة والاستعداد في نفس الإنسان، وبإمكانه التغلب على هذه الحالة وإن عايشها فترة من عمره ..
 

الاربعاء 20ربيع الأول 1424هـ الموافق 21 مايو 2003م، العدد 10932