أكبر المخاوف أمام الإنسان «2/1»

الموت هو أكبر المخاوف في حياة الإنسان، بل قد يقال انه سبب جميع التخوفات، ولكن لماذا يخاف الإنسان من الموت ما دام الموت مصيرا طبيعيا لجميع المخلوقات؟ يخاف الإنسان من الموت للأسباب التالية:

أولا: إنهاء وجود الإنسان في هذه الحياة.


فللحياة جاذبيتها القوية، التي تشد الإنسان اليها شدا وثيقا.. وله فيها ارتباطات عديدة، تجعل تشبثه بها متينا ثابتا.. وفي الحياة لذات وشهوات، ومصالح تفرض نفوذها وسيطرتها على نفس الإنسان.

والملاحظ ان عجز الإنسان او ابتعاده ولو كان مؤقتا عن شيء من لذات الحياة ومصالحها، يؤلم الإنسان ويقلقه ويؤذيه ففراق الأهل والأصدقاء، وقلة توافر الطعام والشراب، وفقدان المال والمكاسب او الامتيازات، أشياء مزعجة ومؤذية للإنسان، ولو كانت لفترة محدودة، فكيف والموت ينسف كل هذه الأمور؟ ويلغي ارتباط الإنسان بها بشكل كامل ونهائي؟

ثانيا: العجز عن المواجهة:


قد يستطيع الإنسان مقاومة سائر المخاوف، والإفلات والهرب من كثير من الأخطار، ولكنه لا يمتلك ذرة من القدرة على مواجهة الموت، او الفرار منه، انه حتم قاهر، لابد ان يرفع الإنسان أمامه راية الاستسلام والهزيمة.

ان الله تعالى يتحدى عباده بالموت، ليذكرهم بحجمهم الحقيقي الضعيف المتلاشي، تجاه الهيمنة والقدرة الإلهية يقول تعالى:

﴿قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين «سورة آل عمران 168».

﴿قل ان الموت الذي تفرون منه فانه ملاقيكم ثم تردون الى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون «سورة الجمعة8».

فليس هناك في الدنيا منطقة لا يصل اليها الموت، وإلا لسافر اليها وقطنها كل البشر ولا يفيد أي طبيب او علاج او دواء عند نزول الموت. كما لا تستطيع أي قوة ان تواجه الموت.. وإلا لخلد الأباطرة والأكاسرة والفراعنة.

وقد حاول الإنسان ان يوظف تقدمه العلمي والتكنولوجي في العمل على مواجهة أهم خطر يستقبله، وهو خطر الموت الذي يلغي وجوده، وينهي حياته، ولكن باءت كل تلك المحاولات والجهود بالفشل من بداية الطريق، وأخفقت حتى في الإجابة عن أول سؤال في الموضوع وهو: ما سبب الموت؟

يقول الاستاذ وحيد الدين خان في كتابه القيم «الإسلام يتحدى»:
ان الذين لا يؤمنون بالعالم الثاني ـ الآخرة ـ يحاولون بدافع الغريزة ان يجعلوا من هذا الكون عالما أبديا لأفراحهم، ولذلك بحثوا كثيرا عن أسباب «الموت» حتى يتمكنوا من الحيلولة دون وقوع هذه الأسباب، من أجل تخليد الحياة، ولكنهم أخفقوا إخفاقا ذريعا، وكلما بحثوا في هذا الموضوع رجع اليهم بحثهم برسالة جديدة عن حتمية الموت وأنه لا مناص منه.

«لماذا الموت؟» هناك ما يقرب من مائتي إجابة عن هذا السؤال الخطير، الذي كثيرا ما يطرح في المجالس العلمية منها:

«فقدان الجسم فاعليته»، «انتهاء عملية الأجزاء التركيبية» «تجمد الأنسجة العصبية»، «حلول المواد الزلالية القليلة الحركة محل الكثيرة الحركة منها»، «ضعف الأنسجة الرابطة»، «انتشار سموم «بيكتريا» الامعاء في الجسم».. وما الى ذلك من الإجابات التي ترد كثيرا حول ظاهرة الموت.

ان القول بفقدان الجسم فاعليته جذاب للعقل.. فان الآلات الحديدية والأحذية والأقمشة كلها تفقد فاعليتها، بعد أجل محدود، فأجسامنا أيضا تبلى وتفقد فاعليتها كالجلود التي نلبسها في موسم الشتاء، ولكن العلم الحديث لا يؤيد ذلك، لان المشاهدة العلمية للجسم الإنساني تؤكد: انه ليس كالجلود الحيوانية، والآلات الحديدية، وليس كالجبال.. وان أقرب شيء يمكن تشبيهه به هو ذلك «النهر» الذي لا يزال يجري منذ آلاف السنين على ظهر الأرض فمن ذا الذي يستطيع القول: ان النهر الجاري يبلى ويهن ويعجز؟! بناء على هذا الأساس يعتقد الدكتور «درلنس بالنج ـ وهو حائز على جائزة نوبل للعلوم»: «ان الإنسان أبدي الى حد كبير نظريا، فان خلايا جسمه تقوم باصلاح ما فيه من الأمراض ومعالجتها تلقائيا، وبرغم ذلك فإن الإنسان يعجز ويموت، ولا تزال علل هذه الظاهرة أسرارا تحير العلماء.

ان جسمنا هذا في تجدد دائم، وإن المواد الزلالية، التي توجد في خلايا دمائنا تتلف كذلك ثم تتجدد، ومثلها جميع خلايا الجسم، وتحل مكانها خلايا جديدة، اللهم إلا الخلايا العصبية وتفيد البحوث العلمية ان دم الإنسان يتجدد تجددا كليا خلال ما يقرب من أربع سنين، كما تتغير جميع ذرات الجسم الإنساني.

الاربعاء 11 ربيع الآخر 1424هـ الموافق 11 يونيو 2003م، العدد 10953