تجاهل الآخر ظلم للذات والوطن


الجهل بالآخر والقراءة الخاطئة له هي نتاج خلل اجتماعي ثقافي.

فالمجتمع السويّ تعبّر فيه كل الأطراف عن نفسها، وتظهر آراءاها ومواقفها بصراحة ووضوح، حين تتوفر الحرية للجميع، وتتساوى فرص التعبير عن الذات، فتتعرف الأطراف على بعضها بشكل مباشر دون وسائط وحواجز.

أما إذا سادت المجتمع أجواء غير عادلة، وعانت بعض أطرافه من التهميش والتمييز، فستجد نفسها مضطرة إلى الانكفاء والانطواء، مما يفسح المجال لتشويه صورتها من قبل الأطراف ذات المصلحة في تغييبها وتهميشها.

وعلى الصعيد الثقافي فان الثقافة السويّة تدفع نحو الانفتاح على الآخر، والمعرفة الموضوعية له، والتفاعل معه أخذاً وعطاءً، واحترام خصوصياته.

بينما ترفض التوجهات الثقافية التعصبية الاعتراف بالآخر، وتحظر التواصل معه، والانفتاح عليه، وتعمم عنه صورة نمطية مشوهة.

ولأن معظم مجتمعاتنا تعاني من هذا الخلل الاجتماعي الثقافي فإنها تعيش أزمة في المعرفة المتبادلة بين الأجزاء المكونة لوجودها الاجتماعي والوطني.

فقد تجد من يضمهم وطن واحد، أو تجمعهم لغة واحدة، أو ينتمون إلى دين واحد، إذ يتنوعون في توجهاتهم ضمن الإطار المشترك، يعيشون حالة من التباعد والجهل ببعضهم بعضا، فترتسم عند كل طرف صورة غير صحيحة عن الطرف الآخر.

إن الجهل بالآخر والخطأ في قراءته يشكل ظلماً للذات والآخر، حيث يحرم الإنسان نفسه من معرفة الحقيقة ويضللها عن إدراك الواقع، مما يمنعه من التفاعل الإيجابي مع الآخرين.

كما أن ذلك ظلم للآخر بإساءة الظن فيه، وبخسه حقه، وقد يؤسس للحيف والعدوان عليه.

وعلى المستوى الاجتماعي والوطني فإن جهل أطراف المجتمع ببعضها، يؤدي إلى انعدام قدرتها على التعاون والانسجام، ويهدد وحدة المجتمع وتماسكه، ويفتح ثغرة في جدار أمن الوطن واستقراره.

إن التعرف على الآخر الداخلي لم يعد مجرد مسألة ثقافية فكرية، بل أصبح قضية اجتماعية وطنية، تتأثر بها وحدة المجتمع، وترتبط بالاستقرار والأمن الوطني.

لذلك تهتم المجتمعات المتقدمة بوضع برامج وسياسات لاستيعاب كل الشرائح والوجودات التي تشاركها العيش في رحاب كياناتها الوطنية، وإن كانت حديثة الانضمام والتشكل، كالجاليات الوافدة، والمهاجرين واللاجئين، وذلك بالاعتراف بخصوصياتهم، وإتاحة الفرصة لهم للتعبير عن ذاتهم، وتمكينهم من ممارسة حقوقهم المشروعة، ضمن إطار المواطنة، وقوانين اللجؤ والإقامة.

ففي هذا العام فوجئ المستمعون للقناة الاولى في الاذاعة السويدية شبه الرسمية، ضمن برنامج ديني مسيحي يومي، بصوت شابة مسلمة من اصل اريتري تتحدث عن الإسلام وعن شخصية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، مهنئة العالم الإسلامي بالمولد النبوي الشريف، وكان رئيس وزراء السويد (يوران برشون) قد قام بزيارة للمسجد الكبير في العاصمة ستوكهولم واطلع من القيمين على المسجد على أوضاع المسلمين، وحرص على التركيز أمام الصحافة على أن (الدين الإسلامي هو ثاني دين في السويد ويجب أن نتعايش مع بعضنا بعضا) وهناك صحف يومية في السويد واسعة الانتشار تعمل لإبراز المضمون السلمي الحقيقي للدين الإسلامي.

وقبل سنوات أعلن مجلس إدارة المدارس العامة في اوكلاند بولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية اعترافه باللهجة العامية التي تستخدم في أحياء السود لغة قائمة بحد ذاتها.

وهي المرة الأولى في الولايات المتحدة التي يتم فيها رسمياً الاعتراف بلهجة عامية تتمز بشذوذ عن قواعد اللغة. ويشكل التلاميذ السود 53 في المائة من الطلاب الـ 52 ألفاً في المدارس العامة في اوكلاند. وتتميز (انكليزية السود) المعروفة أيضاً باسم (ايبونيكس) باستخدام أفعال في طريقة خاطئة وازدواجية النفي في الجملة ذاتها.

وأوضحت كاري سيكريت المعلمة في مدرسة بريسكوت أوكلاند أنه قبل اتخاذ هذا القرار كا الاستاذ يطلب من التلميذ الذي يتكلم بلغة (ايبونيكس) أن يترجم ما يقوله إلى الانكليزية العادية.

وأعرب بعض المعلمين عن معارضتهم لهذا الإجراء لأنه في نظرهم سيزيد من التمييز الذي يتعرض له التلاميذ السود. ويرى المعارضون أيضاً أن هذا القرار يشكل اعترافاً بفشل النظام التربوي غير القادر في رأيهم على تلقين اللغة الانكليزية إلى التلاميذ.

في المقابل اعتبر البعض أن هذا الإجراء سيؤدي إلى احترام هذه اللغة التي غالباً ما يسخر منها التلاميذ البيض)).(جريدة الحياة: السبت 11 شعبان 1417هـ، العدد 12353).

ويأتي ضمن هذا السياق ما كشفت عنه أخيراً سلطة الادعاء العام الملكية في بريطانيا بتاريخ 1 / 8 / 2004م عن عزمها على إجراء دورات تدريبية عن الإسلام منتظمة للمحامين الذين يشغلون على قضايا لها جانب ديني، ورأت أن الهدف هو اعداد المحامين وموظفين السلطة نفسها أيضاً للتعامل بطريقة مناسبة مع المسلمين من اصحاب القضايا. وقالت ان الدورة تستغرق خمسة أيام يطلع خلالها المشارك من المحامين على المبادى الاساسية للدين واشكال ممارستها في بريطانيا. ونقل عن (شيمص تايلور) وهو متحدث باسم سلطة الادعاء العام قوله: ان الدورة ستساعد المتدربين على اكتساب فهم اشد تفصيلا للدين الاسلامي، مما سيجعلهم قادرين على تفهم سياق العمل والقضايا التي يتعاطون معها بشكل افضل. (الشرق الأوسط، جريدة يومية، لندن 2 / 8 / 2004م)

هكذا تهتم المجتمعات الأخرى باحتضان كل أجزائها وشرائحها حتى المستجدة منها، بينما تفشل بعض مجتمعاتنا في الوصول إلى مستوى التعايش والاحترام المتبادل بين أطرافها المتساوية في العراقة والانتماء الوطني، بسبب الاختلاف في بعض الخصائص والتوجهات.

إن مجتمعاتنا بحاجة إلى سياسة جديدة في نمط علاقاتها الداخلية، فإلغاء الآخر وتهميشه وانتقاص حقوقه مرفوض شرعاً وعقلاً، وما يطرح له من تبريرات وأدلة هي مجرد تفسيرات وآراء انتجتها بيئة سياسية وثقافية غير سويّة لا تثبت أمام البحث والنقد العلمي، على ضوء محكمات القرآن الكريم وثوابت السنة النبوية، ومعالم الشريعة التي توجب العدل، وترفض الظلم، وتنهى عن بخس الحقوق، وتحمي حرية العقيدة وتدعو إلى التعارف والتعاون بين بني البشر.

كما أن واقع العالم اليوم، بمؤسساته الدولية، وشعاراته حول حقوق الإنسان، وسياسات العولمة والانفتاح، لا مكان فيه لهذه التوجهات الاقصائية التعصبية.

وأوطاننا التي تواجه أقسى التحديات تحتاج إلى تلاحم أبنائها وتماسك شعوبها بتنوعاتهم المختلفة.

وأول خطوة على هذا الطريق تكريس نهج الانفتاح والتعارف داخل المجتمع، بأن يقرأ كل طرف سائر الأطراف بموضوعية وإنصاف. وأن يتاح لكل طرف أن يعبر عن ذاته وتوجهاته.

ويجب أن تسهم مناهج التعليم ووسائل الإعلام وجهات التثقيف في انجاز هذه الخطوة التي تأخرت كثيراً، حتى لا نورّث لأبنائنا وأجيالنا القادمة مآسي تخلفنا، وتركة صراعاتنا وخلافاتنا.

جريدة المدينة: (الأربعاء) بتاريخ 25 جمادى الآخرة 1425هـ (11 أغسطس 2004م).