عبدالله الشباط: الشيخ الصفار وحديث عن النفس

صحيفة الجزيرة عبدالله الشباط (*)

عن الشيخ الصفار:

الشيخ حسن بن موسى الصفار، من مواليد القطيف 1377هـ، سليل أسرة علمية معروفة في تاروت والقطيف، فأبوه خطيب وجده لأبيه الشيخ رضا الصفار عالم دين مشهور، وكذا أخو جده الخطيب حسن الصفار شيخ فاضل. شيخنا المترجم له عالم دين وخطيب منبر ومتحدث لبق وكاتب معروف في الإعلام السعودي والعربي ومصلح اجتماعي ذو شخصية مرموقة، بارزة في مجتمعه بالقطيف والمملكة العربية السعودية والعالم العربي والغربي، تبنى مشروعاً إصلاحياً كبيراً للمجتمع أساسه التسامح والتعايش والتنوع وثقافة الاختلاف وقبول الرأي الآخر.

يدعو لهذا المشروع على المنابر وفي المجالس والمحافل عبر منتديات الحوار الوطني في المملكة العربية السعودية عبر مختلف وسائل الإعلام سعدت بزيارته لي عدة مرات برفقة المغفور له بإذن الله علي العوامي ودعاني إلى منزله له لحضور بعض المناسبات, وكان كثير الاتصال بي والمبادرة بالسؤال عن أحوالي.

النفس منطقة الخطر:

له مجموعة كبيرة من المؤلفات تشكل مكتبة قائمة بذاتها يزيد عدد محتوياتها على ستة وخمسين كتاباً اخترت من بينها رسالة لطيفة عنوانها: «النفس منطقة الخطر» افتتحها بقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى • فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى[1] .

من هذه القاعدة الربانية انطلق الشيخ حسن الصفار ليكتب بحثاً قيماً يوضح فيه مقام النفس الإنسانية في حياة البشر وارتباطها بالقلب ورغباته وميوله وعواطفه.النفس منطقة الخطر

وقد اتخذ الباحث لهذه الدراسة منطلقاً تعريفياً بمقدمة عن الروح وهي - كما قال المؤلف: «تلك القوة التي تبعث الحياة في الإنسان والتي بمفارقتها للجسم تنتهي حياة الإنسان في هذه الدار الدنيا.

وهي الوعاء الذي يشمل العقل والنفس والجسد لأنه من دون تلك القوة المحركة لا يستطيع الجسد أن يؤدي أي دور وبذلك تخمد حواس العقل والنفس».

ولما كان العقل هو أهم تلك الحواس لأنه النور الذي يميز الإنسان به الحق من الباطل والخير من الشر وبين الممكن والمستحيل فهو قوة الإدراك والتمييز والمعرفة، فبالعقل يُدرك الإنسان ويميز ويقيم الأشياء.

وهذا العقل الذي أودعه الله في الإنسان هو كائن لم يدرك كنهه العلماء ولا الفلاسفة والمخترعون. فهو موجود وغير موجود.. موجود في الإنسان منذ أن يبلغ حد التمييز بين الثمرة والجمرة فإذا مات الجسد انطفأ ذلك النور.

والعقل هو العقال - أو القيد - الذي يحد من نوازع النفس الشريرة ورغباتها التي قد تسيء لصاحبها وللآخرين من حوله. ولذلك تكرر ذكر العقل في القرآن الكريم باعتباره المرشد والدليل إلى كل خير والناهي عن كل شر.

أما النفس فهي مركز العواطف والميول والشهوات لدى الإنسان والقرآن الكريم يطلق عليها تارة عنوان النفس وتارة أخرى اسم القلب.

«فالنفس بهذا المعنى تعتبر أخطر منطقة في شخصية الإنسان لأنها مصدر سعادته أو شقائه كما في قول جل من قائل: «ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها.. قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها».

قلنا في البداية أن العقل هو الآلة التي تقيد الحركة في رغبات الإنسان إلا أن هذا القيد بحاجة إلى حاكم أقوى يستطيع أن يفل قيوده ويوقف العقل عند حدوده بحيث يتحول إلى آل بيد النفس لأن للنفس قدرة التحكم بالعقل واستخدامه ومن هنا تبرز الأهمية التي يكمن فيها الخطر.

ولذلك يجب الاهتمام بالنفس بأن نولي الجانب النفسي أهمية قصوى، فالنفس إذا كانت مصابة بالأمراض كالتكبر والغرور والخوف والجبن والكسل والأنانية والحقد فكل شيء لا يفيد. لأن النفس أمارة بالسوء. حيث جاء في القرآن الكريم على لسان يوسف الصديق ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ[2] .

وفي هذا السياق يقول الإمام علي كرم الله وجهه: «إن النفس لأمارة بالسوء والفحشاء فمن ائتمنها خانته ومن استنام إليها أهلكته ومن رضي عنها أوردته شر الموارد».

ولا شك أن الصراع بين النفس والعقل يسمى الجهاد الأكبر فهو أصعب امتحان كتبه الله على الإنسان لأن نجاح الإنسان في هذا الامتحان بتفوقه على نفسه واستطاعته كبح جماحها يكون موقعه عند الله ومستقبله الدنيوي والأخروي لأن المنتصر على نفسه في معركته الحتمية الدائمة الشاملة يستحق الجائزة الكبرى «الجنة» والوصول إلى الجنة يستحق من الإنسان كل ذلك التعب والمشقة والعناء.

وقد جاء الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» وفي حديث آخر عن فضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المجاهد من جاهد نفسه».

إن هذا الكائن المتمرد في الإنسان يصاب بأمراض مستعصية تدعو في بعض الأحيان إلى الجريمة والاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض. ومن هذه الأمراض الإقدام على القتل والاغتيال.. والنفس هي التي تزين للإنسان وتدفعه للارتداد عن الدين ومخالفة الأنبياء والاعتداء عليهم والإعراض عن رسالة الأنبياء والحسد والتكبر والخوف والجبن والبخل. وهذه كلها أمراض أصابت النفس البشرية في حقبٍ ومواقف تاريخية خلدها القرآن العظيم لتكون لنا نحن معاشر المسلمين عظة وعبرة.

إن هذه الأمراض التي تعتري النفس البشرية وتدفعها إلى الانحراف يمكن علاجها وفي ذلك يقول الشيخ حسن: أول وأهم قضية يجب أن يتوجه إليها الإنسان ويركز عليها هي إصلاح نفسه من الداخل لأن في ذلك مفتاح سعادة حتى يستطيع معالجة سائر القضايا وتحصيل مختلف متطلبات الحياة ليضمن حينئذ الاستفادة الصحيحة والاستخدام السليم لما منحه الله من طاقات وقدرات فمن أين يبدأ الإصلاح؟

يقول الله جل شأنه ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ[3] . وعلى ذلك فإن على الإنسان أن يمارس بعقله ووجدانه دور الإشراف على نزعات النفس وملاحظة رغباتها ليمنع نمو وترعرع الاتجاهات الفاسدة وليعالج ما قد يعترض النفس من أمراض وعاهات وليضع حداً لما قد يحصل من أخطاء وأغلاط، كما أن النفس تحتاج إلى صيانة مستمرة ورقابة دائمة للحفاظ عليها من التلوث ولحمايتها من الشوائب، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على العاقل أن يكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر فيما صنع الله عز وجل له. وعنه صلى الله عليه وسلم: «لا يكون العبد مؤمناً حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه والسيد عبده».

وفي ختام هذا البحث القيم احتوى الفصل الثالث التحذير من مغبة السقوط.

يقول في مقدمته:

• لماذا نردد في صلاتنا كل يوم ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾؟
• أو لسنا الآن باعتبارنا مسلمين مؤمنين نسلك الصراط المستقيم؟
• هل نشك في الخط الذي نسير عليه ونحتمل في أنفسنا الضلال؟ أم ماذا؟!

ويجيب:

في الواقع أن الصراط المستقيم ليس طريقاً يبحث عنه الإنسان عند مفترق الطرق فإذا ما اهتدى إليه سلكه واستمر في السير عليه مرة واحدة إلى الأخير.. بل إن الإنسان في كل لحظة أمام أي موقف أو قضية أو كلمة يجد أمامه طرقاً كثيرة وخيارات عدة أحدها يمثل الصراط المستقيم بينما البقية طرق ملتوية معوجة.

إن هذا البحث في محتواه الصغير في حجمه ما هو إلا نتاج عقل وهبة الله من الحكمة والمعرفة ما يستطيع بهما أن يقدم للقارئ كشافاً يستطيع بواسطته أن ينظر إلى نفسه التي يحملها إهابة وتخضع لها جميع حواسه ليرى: هل هي النفس اللوامة التي ذكرها القرآن الكريم. أم أنها نفس زكية طاهرة وأنها تشير على الصراط المستقيم ولا شك أن كل إنسان سيناور على لسان الجواب الأول دون تمحيص أو غربلة.

لذلك أسأل الله أن يجزل الأجر والثواب لكاتب هذا البحث وأن يجعلنا وإياكم من سالكي الصراط المستقيم.

(*) كاتب سعودي.
[1] سورة النازعات: 40-41.
[2] سورة يوسف: 53.
[3] سورة الرعد: 11.