الانطلاق من المشتركات منهج العقلاء

 

يعيش العالم هذه الأيام ذكرى ميلاد نبيّ الله المسيح عيسى بن مريم الذي يُعدّ المسيحيون المنتسبون إليه أكبر كتلة في العالم، يليهم المسلمون، فهما أكبر كتلتين دينيتين على وجه الكرة الأرضية.

وقد احتفى القرآن الكريم بميلاد نبي الله عيسى حيث خصّص سورة باسم أمه (سورة مريم) تناول فيها تفاصيل ولادته، وكذلك في سورة (آل عمران)، وتكرر الحديث عن المسيح في أكثر من 25 موقعًا في القرآن الكريم. مما يؤسّس لأرضية جيّدة من العلاقة بين المسلمين والمسيحيين.

  • علاقات طيّبة بين المسيحيين والمسلمين

وذلك ما كان في بداية الإسلام، حيث استقبل النجاشي المسيحي ملك الحبشة المهاجرين من المسلمين الفارين من قمع المشركين في مكة، وآواهم ورفض محاولات قريش لإرجاعهم.

وكان قد هاجر إلى الحبشة من مكة عشرات من المسلمين في السنة الخامسة من البعثة بتشجيع من رسول الله ، حيث قال لهم: (لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإنّ بها ملكًا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه).

فغضبت قريش حين علمت عن استقبال النجاشي للمهاجرين، وبعثت (عمرو بن العاص) و(عبدالله بن أبي ربيعة) لإقناع النجاشي بطرد المهاجرين المسلمين وإرجاعهم إلى مكة. وقالا للنجاشي: (أيّها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين جديد لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم، لتردهم إليهم، فهم أبصر بهم، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه).

فاستدعى النجاشي مجموعة من المهاجرين يتقدّمهم جعفر بن أبي طالب وسأله: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحدٍ من هذه الملل؟ وبعد أن شرح جعفر للنجاشي طبيعة الرسالة الإسلامية، والقيم التي تحملها، قال النجاشي لجعفر: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ فقرأ عليه آيات من مطلع سورة مريم، التي تحدّثت عن مكانة مريم عند الله، وكيف حملت بعيسى وقصة ولادته، وعظمة شأنه، فتفاعل النجاشي مع ما سمع، وتأثر كثيرًا، حتى بكى وأخضلّت لحيته بالدموع، وبكى الأساقفة الحاضرون.

وبعد صمتٍ قصير ساد المجلس قال النجاشي: (إنّ هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة)[1].

وقد أشاد القرآن الكريم بهذا الموقف الإيجابي للمسيحيين تجاه المسلمين والدعوة الإسلامية يقول تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ [سورة المائدة، الآيتان: 82-83]

  • تأثير الحروب المتبادلة

لكن المعارك التي حصلت بعد ذلك فيما عرف بالفتوحات الإسلامية، وزحف الجيوش العربية على أوروبا، ثم ما حصل في عهد الاستعمار من زحف الأوربيين على البلاد العربية والإسلامية، وقيام الحروب الصليبية والتبشير المسيحي، كلّ ذلك أوجد شروخًا واسعة بين المسيحيين والمسلمين، وخلق أجواءً من العداء المتبادل.

وفي هذا العصر بالذات أصبحت الظروف أكثر ملاءمة لتطوير العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، حيث يفترض أنّ الطرفين قد تجاوزا تأثيرات الحروب والمعارك التاريخية الماضية، وأصبحت هناك مؤسسات دولية ومواثيق تنظم العلاقة بين الدول والمجتمعات على أسس إنسانية حقوقية، وعلى معايير سياسية، تختلف عمّا كان سائدًا في عصر الدول الدينية، كما تداخلت المصالح بين الأمم والدول والمجتمعات، إذ تحوّل العالم إلى قرية واحدة، لا يستغني فيه طرف عن آخر.

واحتضنت المجتمعات المسيحية جاليات إسلامية كبيرة هاجرت من أوطانها إلى الغرب بحثًا عن فرص أفضل للحياة الكريمة، وأصبحت تتمتع بحريتها الدينية والسياسية، وتمارس دورها في الحياة العامة كجزء من تلك الدول والمجتمعات، وتبوأ بعض أبنائها الكفوئين مواقع قيادية متقدمة في السلطة السياسية والقضائية، وفي ميادين العلم والاقتصاد.

  • تحريض الصهاينة

والعامل والوحيد الذي يعكّر صفو العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في هذا العصر، هو انحياز معظم الدول الغربية إلى إسرائيل، ودعمها لأنظمة الاستبداد في العالم الإسلامي، لكن الفرصة متاحة للشعوب الإسلامية أن تؤثر في أجواء السّياسة الغربية، وأن تضغط على مواقف السياسيين فيها، لتواجه نفوذ اللوبي الصهيوني المتغلغل في تلك الدول، بسبب فاعليته على الصُّعد المختلفة، لكن الأمة لم ترتقِ إلى مستوى التحدّي، ولم تحسن استثمار قدراتها وطاقاتها لخدمة قضاياها العادلة.

خاصة وأنّ اللوبي الصهيوني كان يقظاً وحذرًا من حصول أيّ تطور إيجابي في العلاقة بين المسيحيين والمسلمين، يمكن أن يوظّف في خدمة القضية الفلسطينية، وأن يؤثر على الدعم الغربي لإسرائيل.

لذلك فإنّ من الطبيعي أن يسعى هذا اللوبي الصهيوني إلى إثارة وتشجيع كلّ ما من شأنه تعقيد وتشويه العلاقة بين المسلمين والمجتمعات المسيحية، ويدخل ضمن نطاق هذا السعي تحريض المسلمين وتعبئتهم ضدّ المسيحيين، وتحريض المسيحيين وتعبئتهم ضدّ المسلمين.

هذا التحريض والتعبئة وإن صدرت من منطلق الغيرة على الدين، ومن أناسٍ صادقين في انتمائهم للإسلام أو المسيحية، فإنّ الصهاينة يستفيدون منها ويوجّهونها لخدمة أهدافهم، ونقصد هنا التحريض والتعبئة الدينية التي تستفزّ الجمهور عند الجهتين، كالدعاء على النصارى بالهلاك، وأن يرمّل الله نسائهم، وييتم أبناءهم، ويجفّف الدماء في عروقهم، إلى آخر ما يُدعى به في بعض المساجد والمنابر الإسلامية، وما يقابله من سخرية بنبي الإسلام، وبالقرآن الكريم من قبل بعض الجهات الغربية.

  • الإرهاب وتخريب العلاقات

وتأتي ممارسات الحركات الإرهابية المنتسبة للإسلام كعامل أخطر وأسوأ في تعقيد العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في هذا العصر.

حيث تستهدف الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال، في الأسواق والمطارات ومحطّات القطار، كما تستهدف التجمعات الدينية المسيحية، مثل الهجوم المريع الذي استهدف حشدًا لمحتفلين باليوم الوطني في مدينة نيس في فرنسا، وذبح القسّ الطاعن في السنّ (جاك هامل) البالغ من العمر ستة وثمانين عامًا بتاريخ 26/7/2016م.

والتفجير الذي وقع داخل الكاتدرائية المرقسية بالعباسية وسط القاهرة، أثناء قدّاس يوم الأحد 11/12/2016م، وعملية الدهس لمتسوقي أعياد الميلاد في العاصمة الألمانية برلين يوم الاثنين الماضي 19/12/2016م الذي أسفر عن مقتل 12 شخصاً، وجرح 48 آخرين.

وما حدث للمسيحيين في العراق وسوريا وأماكن أخرى استهدفها الإرهابيون هذه الأحداث تخلق الآن أجواءً غير إيجابية تجاه المسلمين في العالم، فقد ازدادت شعبية الأحزاب اليمينية المناوئة للوجود الإسلامي في الغرب، وحصلت اعتداءات كثيرة على مساجد ومراكز إسلامية، وتعرّض كثير من المسلمين لمضايقات وإساءات في امريكا وأوروبا، وأصبح أيّ مظهر إسلامي قد يثير قلقًا واستفزازًا، ومن أواخر الأخبار على هذا الصّعيد إنزال مواطن عربي من الطائرة التابعة لخطوط دلتا أيرلاينز المتوجهة من لندن إلى نيويورك الأربعاء الماضي21/12/2016م؛ لأنه تكلم مع أمّه باللغة العربية.

  • إرساء علاقات سلام واحترام

إنّ من مصلحة الإسلام والأمة إرساء علاقات سلام واحترام مع الأديان والأمم الأخرى، فذلك ينسجم مع مبادئه الإنسانية العادلة، ويتيح المجال لتعرف الآخرين على حقيقته وتعاليمه الجاذبة، ويصنع للأمة مكانة لائقة بين الأمم تحفظ مصالحها.

والاختلاف الديني والعقدي مع الأمم الأخرى لا يعني القطيعة والعداء معها، بل ينبغي الاتجاه للتعارف والحوار لاستكشاف مواقع الالتقاء، ومعالجة قضايا الاختلاف.

وهذا ما يدعو إليه القرآن الكريم، حيث أمر الله نبيه محمّدًا بأن يدعو أتباع الديانات السابقة أهل الكتاب إلى الانطلاق من المشتركات بين الأديان الإلهية السماوية، يقول تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّـهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّـهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [سورة آل عمران، الآية: 64].

هذه الدعوة العقلانية البنّاءة يجب تفعيلها في هذا العصر، وخاصة بين المسلمين والمسيحيين، وهما أكبر كتلتين دينيتين على وجه الكرة الأرضية، وانسجام العلاقة بينهما يخدم استقرار الأمن والسلام العالمي، ويصبّ في مصلحة البشرية جمعاء.

  • مساحات التلاقي والاشتراك

ومع الاختلاف الواضح بين المعتقد الإسلامي والمسيحي، لكن هناك مساحة كبيرة من التلاقي والاشتراك يمكن الانطلاق منها، واستثمارها في صنع أفضل العلاقات الإيجابية بين الطرفين.

ومن المساحات المشتركة بين الديانتين على الصّعيد العقدي:

الإيمان بالله الخالق لكلّ شيء.
الإيمان باليوم الآخر.
الإيمان بالوحي وأنّ الله قد بعث أنبياء ورسلًا وأنزل إليهم كتبًا وشرائع.
الاهتمام بالبعد الروحي والبرامج العبادية.

وفي تفاصيل هذه المعتقدات هناك خلافات كثيرة، لكنها يجب ألّا تغطّي على الاشتراك في أصولها، وهذا ما يطلق عليه القرآن الكريم ﴿كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ.

وهناك المشترك الكبير في المجال القيمي الأخلاقي حيث تؤمن الأديان بالأخلاق الإنسانية الفطرية كالصدق، والعدل، والإحسان، والأمانة، ورفض الظلم والعدوان، وانتهاك كرامة الإنسان.

وتؤكّد الأديان على العفّة الجنسية، وحماية كيان الأسرة، كشرط ضروري لبناء مجتمع سليم.

وقد تجلّى بالفعل الإيمان بهذا المشترك العقدي والأخلاقي بين المسيحية والإسلام، في الموقف من التوجهات الإلحادية المنكرة للأديان ولوجود الله تعالى، وفي الموقف من النزعة المادية الطاغية التي تتجاهل البعد الروحي في حياة الإنسان، كما تجسّد هذا التلاقي والتقارب بين القيادات الإسلامية والمسيحية في التصدّي لمحاولات تشريع وتطبيع الابتذال الجنسي، والعلاقات المثلية، وتخريب كيان الأسرة، في كثير من المؤتمرات العالمية الدولية وذلك ما حصل في مؤتمر السكان الذي انعقد في بكين عام 1995م مثلًا.

  • منهج العقلاء

إنّ البحث عن المشتركات والانطلاق منها هو منهج العقلاء في التعامل مع كلّ دوائر الاختلاف والتنوع الديني والفكري والسياسي، بينما يركز الجهّال والحمقى على نقاط الافتراق والاختلاف، وإن كانت قليلة ضئيلة في علاقتهم بالآخرين.

ونجد النموذج البارز لذلك الجهل والحماقة في الصراعات المذهبية الملتهبة داخل الأمة، مع أنّ مساحة التلاقي والاشتراك بين المذاهب الإسلامية هي المساحة الأوسع في العقيدة والفقه والتاريخ والمصلحة والتحدّيات، بينما تنحصر الخلافات في مساحة محدودة من التفاصيل.

بينما يدعو العقلاء المخلصون في الأمة إلى التعظيم من شأن الأصول والمبادئ التي تتفق عليها الأمة بشتى مذاهبها، وإدارة الحوار بموضوعية وحكمة في موارد الاختلاف العقدي والفقهي والتاريخي.

وإذا كان الإسلام يدعو إلى الاتفاق مع أصحاب الديانات الأخرى على كلمة سواء، فإنّ ذلك أولى وأحرى بين فئات الأمة الواحدة المنتمية إلى دين واحد.

وبهذه المناسبة ننعى للأمة الإسلامية فقد عالم من العلماء الربانيين المخلصين الذين حملوا هم الوحدة والتقريب بين أتباع المذاهب الإسلامية، وهو آية الله الشيخ محمد واعظ زاده الخراساني، الذي توفي يوم الأحد الماضي 18/12/2016م عن عمر ينوف على التسعين عامًا في مشهد المقدّسة.

كان رحمه الله في طليعة العلماء الوحدويين، ليس على مستوى الدعوة والشعار فقط، بل على مستوى المقاربة الفكرية العقدية والتأصيل الشرعي الفقهي.

وقد ترك خلفه ثروة من الأفكار المهمة الجريئة على هذا الصّعيد، ضمّنها مؤلفاته القيمة، ومحاضراته في مختلف مؤتمرات الوحدة والتقريب، وكذلك ما أجري معه من حوارات ومقابلات نشرتها مجلات علمية مختلفة، ولعلّ من أهمها الحوار الذي نشرته مجلة (هفت آسمان) التخصصية في الأديان والمذاهب باللغة الفارسية، العدد التاسع والعاشر سنة 1422هـ وترجم إلى اللغة العربية في أكثر من خمسين صفحة تحت عنوان (نظرات في التقريب بين المذاهب الإسلامية).

تغمّده الله بواسع رحمته وألهم ذويه ومحبّيه الصبر والسلوان، وخلف على الأمة بالخلف الصالح.

 

 

* حديث الجمعة 24 ربيع الأول 1438ﻫ الموافق 23 ديسمبر 2016م.
[1] الشيخ جعفر السبحاني، سيرة سيد المرسلين، ج1، ص 455-457.